الشيخ محمد النهاوندي

157

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعنهما عليهما السّلام : « أن مواقع النجوم رجومها للشياطين ، فكان المشركون يقسمون بها ، فقال سبحانه : فلا اقسم بها » « 1 » . وقال الطريحي : في الحديث يعني به اليمين بالبراءة من الأئمة عليهم السّلام ، يحلف بها الرجل ، يقول : إنّ ذلك عند اللّه عظيم « 2 » ، وهو قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ « 3 » . قيل : إنّ المعنى : ليس تركي للقسم بمواقع النجوم لأجل أنّه ليس بقسم « 4 » ، أوليس بقسم عظيم ، بل لأنّي أريد بتركي القسم به أن اقسم بأعظم منه لغاية جزمي بصحّة المقسم عليه « 5 » ، وإنّ القسم بمواقع النجوم عظيم لو تعلمون عظمته ، أو لو كنتم من أهل العلم لصدّقتموني « 6 » . ولمّا كان المقسم به - وهو اختلاف مواقع النجوم ومغاربها - دليلا على كمال قدرة اللّه ، استدلّ بها بصورة القسم ، كأنّ المعنى : لو تعلمون أنّ اختلافها ليس إلّا لكونها تحت قدرة القادر المختار الحكيم ، لاعترفتم بمدلوله ، وهو توحيد اللّه وقدرته على كلّ شيء ، ومنه حشر الأجساد البالية . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 77 إلى 82 ] إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 ) أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 ) ثمّ ذكر سبحانه المقسم عليه ، وهو كون القرآن كلام اللّه بقوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ متلوّ على النبي صلّى اللّه عليه وآله من جانب اللّه ، وهو كَرِيمٌ وذو فضل عميم ونفع عظيم في الدنيا والآخرة ، لاشتماله على أصول العلوم وصلاح المعاش والمعاد ، أو حسن مرضيّ من الكتب ، أو ذو كرامة عند اللّه ، ولذا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو مكتوب فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ومصون عن أن تناله أيدي الثقلين ، أو محفوظ عن التغيير والتبديل ، أو مستور عن أعين غير المقرّبين من الملائكة ، وهو اللّوح المحفوظ ، وفيه ردّ على المشركين القائلين بأنّه كلام البشر ، أو شعرأ سحر وكهانة . ثمّ بالغ سبحانه في بيان عظمة شأنه عنده بقوله : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الأخباث والأحداث ، وهم الملائكة المنزهون عن الأدناس الجسمانية ، والمؤمنون المنظفون عن الأحداث البشرية .

--> ( 1 ) . مجمع البيان 9 : 341 ، تفسير الصافي 5 : 128 . ( 2 ) . من لا يحضره الفقيه 3 : 237 / 1123 ، تفسير الصافي 5 : 128 . ( 3 ) . مجمع البحرين 3 : 1961 - وقع - ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 190 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 190 . ( 6 ) . تفسير الرازي 29 : 189 .