الشيخ محمد النهاوندي
131
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
تُكَذِّبانِ مع غاية ظهورها فَيَوْمَئِذٍ وحينئذ لا يُسْئَلُ أحد من قبل اللّه أو غيره عَنْ ذَنْبِهِ الذي ارتكبه في الدنيا ، لا إِنْسٌ وَلا جَانٌّ لأنّ العصاة معروفون بسيماهم ، فلا يحتاج عرفانهم إلى السؤال عن ذنبهم . قيل : لا يسألون في أول حشرهم إلى الموقف ، ويسألون حين المحاسبة . عن ابن عباس : لا يسألهم : هل عملتم كذا وكذا ؟ فانّه أعلم بذلك ، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا ؟ « 1 » وعنه أيضا : لا يسألون سؤال شفاء وراحة ، وإنّما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ « 2 » . عن الرضا عليه السّلام - في هذه الآية - قال : « من اعتقد الحقّ ثمّ أذنب ولم يتب في الدنيا عذّب [ في البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه ] » « 3 » فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . ثمّ بيّن سبحانه علّة عدم السؤال من الجن والإنس عن ذنبه بقوله : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ والعصاة في ذلك اليوم بِسِيماهُمْ وعلامة الذنب الظاهرة في وجوههم من السواد وزرقة العين والغبرة والقترة والحزن والنكاية فَيُؤْخَذُ أولئك العصاة بِالنَّواصِي وشعور مقدّم رؤوسهم وَالْأَقْدامِ قيل : يأخذ الملائكة بشعر رؤوسهم وأقدامهم ، فيقذفونهم في النار « 4 » . أو المراد تسحبهم الملائكة وتجرّهم إلى النار تارة بالأخذ بنواصيهم وتارة بالأخذ بأقدامهم « 5 » فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ من المواعظ والزواجر مع كون منافعها في غاية الظهور ؟ ثمّ يقال لهم توبيخا وتقريعا هذِهِ النار التي ترونها وتدخلونها هي جَهَنَّمُ الَّتِي وعد اللّه بها العصاة في الدنيا على لسان رسله ، وكان يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ والمصرّون على الكفر والعصيان ، فانظروا اليوم إلى المكذّبين أنّهم يَطُوفُونَ ويدورون بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ وماء حارّ آنٍ وبالغ منتهى الحرارة وأقصاها ، يصبّ عليهم ، أو يسقون منه . عن كعب الأحبار : أنّ واديا من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار ، فينطلق بهم في الأغلال ، فيغمسون فيه حتى تنخلع أو صالهم ، ثمّ يخرجون منه ، وقد أحدث اللّه لهم خلقا جديدا ، فيلقون في النار « 6 » . ومن الواضح أنّ الإخبار بهذه الأمور العظام من نعم اللّه على الأنام فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أيها الثقلان تُكَذِّبانِ وقيل : يعني فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما ممّا عددناه من أوّل السورة تُكَذِّبانِ فتستحقّان هذا العذاب الشديد « 7 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 303 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 303 . ( 3 ) . مجمع البيان 9 : 312 ، تفسير الصافي 5 : 112 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 303 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 121 ، تفسير أبي السعود 9 : 183 ، تفسير روح البيان 9 : 303 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 303 و 304 . ( 7 ) . تفسير الرازي 29 : 121 .