الشيخ محمد النهاوندي

13

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

والنّصح وغيرهما فَقاتِلُوا أيّها المؤمنون الطائفة الَّتِي تَبْغِي وتتعدّى على الطائفة الأخرى حَتَّى تَفِيءَ وترجع الطائفة الباغية إِلى أَمْرِ اللَّهِ جبرا ، فَإِنْ فاءَتْ وانقادت لحكمه قهرا ، من وجوب كفّ اليد عن قتال المؤمنين ، والتحذّر عن البغي عليهم ، فإذا انصرفوا عن القتال فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ والانصاف ، واحسموا مادة النزاع والفساد بإجراء حكم اللّه ، وإحقاق حقّ المظلوم ، ومنع الظالم عن ظلمه ، على كتاب اللّه وسنّة نبيه . ولمّا كان بعد القتال مظنّة الحقد والحيف ، قيّد الصّلح بالعدل ، وأكّده بقوله تعالى : وَأَقْسِطُوا واعدلوا في هذا الأمر وسائر الأمور إِنَّ اللَّهَ عادل يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ والعادلين . عن ابن عباس رضى اللّه عنه : أنّ النبي مرّ يوما على ملأ من الأنصار ، فيهم عبد اللّه بن أبي المنافق ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله راكب على حماره ، فوقف عليهم يعظهم ، فبال حماره - أو راث - فأمسك عبد اللّه بن أبي بأنفه ، وقال : نحّ عنا نتن حمارك . فقد آذيتنا بنتنه ، فمن جاء منّا فعظه . فسمع ذلك عبد اللّه بن رواحة ، فقال : ألحمار رسول اللّه تقول هذا ؟ ! واللّه إن بول حمار رسول اللّه أطيب رائحة منك . فمرّ صلّى اللّه عليه وآله ، وطال الكلام بين عبد اللّه بن أبي الخزرجي المنافق ، وبين عبد اللّه بن رواحة الأوسي ، حتى استبّا وتجالدا ، وجاء قوم كلّ منهما من الأوس والخزرج ، وتجالدوا بالعصيّ ، أو بالنعال والأيدي ، أو بالسيف ، فنزلت الآية ، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليهم ، فقرأها عليهم وأصلح بينهم « 1 » . وعن الصادق عليه السّلام قال : « لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إنّ منكم من يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، فسئل : من هو ؟ قال : خاصف النّعل - يعني أمير المؤمنين عليه السّلام - فقال عمّار بن ياسر : قاتلت بهذه الراية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثلاثا ، وهذه الرابعة ، واللّه لو ضربونا حتى يبلغوننا سعفات هجر ، لعلمنا أنّا على الحقّ ، وأنّهم على الباطل . وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السّلام ما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أهل مكّة يوم فتح [ مكة ] » « 2 » . عن الصادق عليه السّلام : « إنّما جاء تأويل الآية يوم البصرة ، وهم أهل هذه الآية ، وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين عليه السّلام ، فكان الواجب قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه » . إلى أن قال : « فكان الواجب على أمير المؤمنين عليه السّلام أن يعدل فيهم ، حيث كان ظفر بهم ، كما عدل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أهل مكّة ، إنّما منّ وعفا ، وكذلك صنع أمير المؤمنين بأهل البصرة » « 3 » .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 74 . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 321 ، الكافي 5 : 11 / 2 ، التهذيب 6 : 137 / 230 ، تفسير الصافي 5 : 50 . ( 3 ) . الكافي 8 : 180 / 202 ، تفسير الصافي 5 : 51 .