الشيخ محمد النهاوندي

125

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

خديجة بفاطمة كانت فاطمة عليها السّلام تحدّثها من بطنها ، وتؤنسها في وحدتها ، وكانت تكتم ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فدخل النبي صلّى اللّه عليه وآله يومان فسمع خديجة تحدّث فاطمة ، فقال لها : « يا خديجة ، لمن تحدثين ؟ » قالت : احدّث الجنين الذي في بطني ، فانّه يحدّثني ويؤنسني . قال : « يا خديجة ، أبشري فانّها أنثى ، وإنّها النسلة الطاهرة الميمونة ، فانّ اللّه تعالى قد جعلها من نسلي ، وسيجعل من نسلها خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه » . فما برح ذلك النور يعلو ، وأشعته في الآفاق تنمو ، حتى جاءه الملك فقال : يا محمد ، أنا الملك المحمود ، وإنّ اللّه بعثني أن أزوّج النور من نور . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « ممّن » قال : علي من فاطمة ، فانّ اللّه قد زوّجها من فوق سبع سماواته ، وقد شهد ملاكها جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في سبعين ألفا من الكروبيين ، وسبعين ألفا من الملائكة الكرام الذين إذا سجد أحدهم سجدة لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة ، أوحى اللّه تبارك وتعالى إليهم : أن ارفعوا رؤوسكم ، واشهدوا ملاك عليّ بفاطمة ، فكان الخاطب جبرئيل ، والشاهدان ميكائيل وإسرافيل . ثمّ أمر اللّه عزّ وجلّ بحور العين أن يحضرن تحت شجرة طوبى ، وأوحى إلى شجرة طوبى أن انثري ما فيك ، فنثرت ما فيها من جوز ولوز وسكّر ، فاللّوز من درّ ، والجوز من ياقوت ، والسّكّر من سكّر الجنّة ، فالتقطته حور العين ، فهو عندهنّ في الاطباق يتهادينه ، يقلن : هذا من نثار تزويج فاطمه بعلي . فعند ذلك أحضر النبي أصحابه ، وقال : « أشهدكم أنّي زوّجت فاطمة من علي » فلما التقى البحران : بحر ماء النبوة من فاطمة ، وبحر ماء الفتوّة من علي كرم اللّه وجهه ، هناك مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ برزخ التقوى ، لا يبغي علي عليه السّلام على فاطمة بدعوى ، ولا فاطمة على علي عليه السّلام بشكوى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ اللؤلؤ الحسن ، والمرجان : الحسين عليهما السّلام ، فجاء السبطين شهيدين حبيبين إلى سيد الكونين ، فهما روحاه وريحانتاه ، كلّما راح عليهما وارتاح إليهما يقوله : « هذان ريحانتاي من الدنيا » وكلّما اشتاق إليهما يقول : « ولداي هذان سيدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما وفاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما يؤذيها ، ويسرّني ما يسرّها قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى « 1 » » . ثمّ قال القاضي رحمه اللّه : وبه ظهر أيضا وجه كون النبي صلّى اللّه عليه وآله برزخا بينهما ، فانّ وجوده صلّى اللّه عليه وآله مؤكّد لعصمتها وعدم صدور خلاف الأولى من أحدهما على الآخر « 2 » .

--> ( 1 ) . الشورى : 42 / 23 . ( 2 ) . إحقاق الحق 3 : 277 .