الشيخ محمد النهاوندي

117

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في تفسير سورة الرحمن بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) ثمّ لمّا ختم سبحانه سورة القمر المبتدئة باظهار المهابة بالإخبار باقتراب الساعة ، وذكر أعظم معجزات النبي صلّى اللّه عليه وآله وهو انشقاق القمر ، وتكرار ذكر تسهيل نعمة القرآن للذّكر والاتعاظ به ، وتكرار شدّة عذابه وكثرة إنذاره بقوله تعالى : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ « 1 » مرّة بعد مرة ، وتعداد ما نزل على الأمم السالفة من أنواع العذاب ، وختمها بذكر أسمائه الدالّة على كمال عظمته واقتداره المشعر بشدّة انتقامه ، نظمت سورة الرحمن المبتدئة باظهار كمال رحمته ، وذكر أعظم المعجزات العقلية لنبينا ، وهو تعليم القرآن الذي فيه صفاء القلوب وشفاء الصدور ، وتكرار تذكير آلائه ونعمه بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ « 2 » وتعداد تفصيل نعمه الدنيوية والأخروية على المؤمنين ، فابتدأها بذكر الأسماء المباركات بقوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . ثمّ أعلن برحمته الواسعة لجميع الموجودات بقوله تعالى : الرَّحْمنُ والذات العطوف على جميع الخلق بالايجاد أولا ، والرزق وتهيئة أسباب البقاء ثانيا ، وموجبات السعادة والهداية ثالثا . وإنّما خصّ هذا الاسم الأعظم بذاته المقدّسة بحيث لا يجوز إطلاقه على غيره ، لكون سائر أسمائه تحت هذا الاسم ، ولا يكون أحد قابلا لتسميته به ، كاسم اللّه الدالّ على الذات ، والمستجمع لجميع الصفات الكمالية ، ولذا أقرنهما في قوله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ « 3 » . ثمّ شرع سبحانه في تعداد نعمه الدنيوية والأخروية والجسمانية والروحانية اللاتي كلّها من شؤون الرحمانية ، ولمّا كان أعظمها قدرا وأرفعها شأنا القرآن الذي هو مدار السعادة الدنيوية والأخروية ، ومظهر لحقائق الكتب السماوية ، ومناط لكون سائر النّعم نعما ، بدأ بإظهار المنّة بتعليمه بقوله : عَلَّمَ بتوسّط جبرئيل محمدا صلّى اللّه عليه وآله ، وبتوسّطه غيره الْقُرْآنَ العظيم الشأن .

--> ( 1 ) . القمر : 54 / 16 . ( 2 ) . الرحمن : 55 / 13 . ( 3 ) . الإسراء : 17 / 110 .