الشيخ محمد النهاوندي
111
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
اللّه على لسان موسى ، أو المنذرون والرسل كموسى وهارون . ثمّ كأنّه قيل : فما فعلوا حينئذ ؟ فأجاب سبحانه بقوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا ومعجزات رسلنا كُلِّها عنادا ولجاجا فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بسبب تكذيبهم أَخْذَ ملك عَزِيزٍ وقاهر لا يقهر و مُقْتَدِرٍ لا يعجزه شيء . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 43 إلى 46 ] أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه ابتلاء مكذّبي الرسل بأنواع العذاب ، وجّه الخطاب إلى كفّار العرب ، أو المكذّبين لخاتم النبيين صلّى اللّه عليه وآله من قريش وأهل مكّة ، وبيّن أنّهم في استحقاق العذاب كمن تقدّمهم من الأمم المهلكة المكذّبة للرسل بقوله تعالى : أَ كُفَّارُكُمْ أيّها العرب المصرّون على تكذيب رسولنا ، أو يا أهل مكّة خَيْرٌ عند اللّه ، وأقلّ استحقاقا للعذاب مِنْ أُولئِكُمْ الطّغاة الذين أهلكوا بما سمعتم من أنواع العذاب حتى تأمنوا منه أَمْ لا تكونون خيرا منهم ، ولكن لَكُمْ من جانب اللّه بَراءَةٌ وأمان من عذاب اللّه مكتوب فِي الزُّبُرِ والكتب السماوية التي نزلت على الرسل إن أصررتم على الكفر وتكذيب الرسل ، فلذا تصرّون على الشرك وتكذيب محمد صلّى اللّه عليه وآله وتجترئون على المعاصي ، ولا تخافون من نزول العذاب عليكم ، وأن يكون حالكم حال الأمم الذين كانوا قبلكم ، لا واللّه ليس لكم تلك البراءة في كتاب من الكتب السماوية فضلا عن جميعها . ثمّ أعرض سبحانه عن خطابهم إيذانا بعدم قابليتهم للخطاب لغاية الجهل ، ووجّه خطابه إلى العقلاء بقوله : أَمْ يَقُولُونَ أولئك الجهّال الحمقاء : إن نزل العذاب فانّا نَحْنُ جَمِيعٌ وكثير متّفقون على دفعه مُنْتَصِرٌ ومتعاون بعضنا مع بعض « 1 » ، أو ممتنع بقوّتنا عن الابتلاء به ، وإنّما أفرد لفظ المنتصر إمّا باعتبار لفظ ( الجميع ) ، والمعنى نحن جميع جنس منتصر ، أو باعتبار أنّ ( جميع ) بمعنى كلّ واحد ، والمعنى كلّ واحد منّا منتصر يغلب محمدا ، أو يدفع عن نفسه العذاب . ثمّ ردّ اللّه قولهم الفرضي « 2 » بقوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وتنكسر البتة شوكتهم وَيُوَلُّونَ وينصرفون في حرب محمد صلّى اللّه عليه وآله الدُّبُرَ وإفراده لإرادة الجنس ، كما وقع يوم بدر . عن عمر بن الخطاب ، قال : لمّا نزلت ( سيهزم الجمع ) كنت لا أدري أي جمع ، فلمّا كان يوم بدر
--> ( 1 ) . في النسخة : ببعض . ( 2 ) . في النسخة : الفرضية .