الشيخ محمد النهاوندي

56

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

المبالغة في قبح هذه الأمور بحيث ينهى عنها من يمتنع صدورها منه ، فكيف بغيره ، أو نهي امّته بطريق إيّاك أعني واسمعي يا جارة . وقيل : يعني لا تعتمد على غير اللّه ، ولا تتّخذ وكيلا في أمورك سواه « 1 » ، لأنّه لا إِلهَ يلتجأ إليه في دفع المضارّ وجلب المنافع إِلَّا هُوَ تعالى وحده ، فانّه القادر القاهر الغالب على كلّ شيء و كُلُّ شَيْءٍ من الروحانيات والجسمانيات هالِكٌ وفان إِلَّا وَجْهَهُ وذاته ، لأنّه الواجب الوجود الذي يمتنع عليه الفناء . وقيل : يعني إلّا ما أريد به وجهه من الأعمال « 2 » . وفي الأثر : يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال : ميّزوا ما كان منها للّه ، ثمّ يؤمر بسائرها فيلقى في النار « 3 » . وقيل : يعني سلطانه وملكه الذي لا يزال . وعن الصادق عليه السّلام ، قال : « كلّ شيء هالك إلّا من أخذ طريق الحقّ » « 4 » . وعنه عليه السّلام : « من أتى اللّه بما أمره من طاعة محمّد والائمّة عليهم السّلام من بعده ، فهو الوجه الذي لا يهلك » ثمّ قرأ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ « 5 » . أقول : المراد أنّ كلّ مطيع للّه ولرسوله ، فهو وجه اللّه الذي يواجه به خلقه ، وهو باق في الجنان مرزوق عند ربّه أبدا ، ومن هو عاص للّه ولرسوله ، فهو من الهالكين ، وعنه عليه السّلام : « إنّما عنى بذلك وجه اللّه الذي يؤتى منه » « 6 » . وعن الباقر عليه السّلام : « أنّ اللّه عزّ وجلّ أعظم من أن يوصف بالوجه ، لكن معناه كلّ شيء هالك إلّا دينه ، والوجه الذي يؤتى منه » « 7 » . أقول : الظاهر أنّ الجملة الأخيرة تفسير الدين ، والمراد بالوجه فيها الجهة التي يؤتى منها ، ويحتمل أن يكون المراد الهداة إلى اللّه ، فانّهم السبب الذي يقبل اللّه ويتوجّه بهم إلى خلقه ، بل لا فرق بين المعنيين ، فانّهم عليهم السّلام لشدّة التزامهم بالدين كأنهم صاروا مجسّمته . عن الصادق عليه السّلام : إِلَّا وَجْهَهُ قال : « دينه ، وكان رسول اللّه وأمير المؤمنين عليهما السّلام دين اللّه ووجهه ، وعينه في عباده ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده على خلقه ، ونحن وجه اللّه الذي يؤتى منه ، لن نزل في

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 25 : 21 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 443 ، مجمع البيان 7 : 421 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 443 . ( 4 ) . التوحيد : 149 / 2 ، تفسير الصافي 4 : 108 . ( 5 ) . التوحيد : 149 / 3 ، تفسير الصافي 4 : 108 ، والآية من سورة النساء : 4 / 80 . ( 6 ) . الكافي 1 : 111 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 108 . ( 7 ) . التوحيد : 149 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 108 ، المحاسن : 218 / 116 .