الشيخ محمد النهاوندي
37
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يقال جزع عند الموت ، ولولا أن يكون عليك وعلى بني عمّك غضاضة ومسبّة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينيك عند الفراق ، لما أرى من شدّة وجدك ونصحك ، ولكنّي سوف أموت على ملّة الأشياخ : عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف « 1 » . أقول : الرواية من صدرها إلى ذيلها صريحة في إسلام أبي طالب وتصديقه رسالة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في ما جاء به من التوحيد والدين خصوصا قوله : ولكنّي أموت على ملّة الأشياخ . وقد روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين أنّه قال : « واللّه ما عبد أبي وجدّي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قطّ » « 2 » ، وإنّما لن يعلن أبو طالب بالشهادة لما رأى من المفسدة في الإعلان بها ، لوضوح أن العذر المذكور مانع من الإجهار لا من الإسرار ، مع أنّه لا يمكن للعاقل أن يكفّ نفسه عن الايمان للوجه الذي نقلوه عنه مع العلم بصدق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيما أخبر به من العذاب الشديد الأبدي على الشرك ، وغاية شوقه إلى سرور قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وقد تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام بإيمانه وإسلامه قبل كلّ أحد . القمي قال : نزلت في أبي طالب ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : يا عمّ قل لا إله إلّا اللّه أنفعك بها يوم القيامة . فيقول : يا بن أخي ، أنا أعلم بنفسي ، فلمّا مات شهد العباس بن عبد المطلب عند رسول اللّه أنّه تكلم بها عند الموت . فقال رسول اللّه : « أما أنّا فلم أسمعها منه ، وأرجو أن أنفعه يوم القيامة » . وقال : « لو قمت المقام المحمود لشفعت في امّي وأبي وعمّي وأخ كان لي في الجاهلية » « 3 » . أقول : هذه الرواية أيضا مخالفة لما عندنا من أنّ آباء الأئمة عليهم السّلام كانوا كآباء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله موحّدين مسلمين من أول بلوغهم ، مع أنّ إقراره في ابتداء النبوة بالتوحيد سرا عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يكن فيه مفسدة ، فكيف يقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أنا لم أسمعها منه ؟ » . عن الصادق عليه السّلام : أنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف ، أسرّوا الايمان ، وأظهروا الشرك ، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين » « 4 » . وعنه عليه السّلام : قيل له : إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافرا ؟ فقال : « كذبوا ، كيف يكون كافرا وهو يقول : ألم يعلموا أنّا وجدنا محمّدا * نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب وفي رواية أخرى ، قال : « كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول :
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 25 : 2 . ( 2 ) . كمال الدين : 174 / 32 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 142 ، تفسير الصافي 4 : 95 . ( 4 ) . الكافي 1 : 373 / 28 ، تفسير الصافي 4 : 95 .