الشيخ محمد النهاوندي

14

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قالَ موسى عليه السّلام : رَبِّ اقسم عليك بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من الايمان والعرفان والقوّة والمغفرة لأتوبنّ فَلَنْ أَكُونَ بعد ذلك أبدا ظَهِيراً ومعينا لِلْمُجْرِمِينَ والخاطئين . روي عن عليّ بن الجهم ، قال : كنت في مجلس المأمون ، وكان عنده الرضا عليه السّلام فسأله المأمون ، وقال : يا بن رسول اللّه ، أليس من قولك : إنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : « بلى هم عليهم السّلام معصومون من الكبائر والصغائر » قال : ما تقول في قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ؟ قال عليه السّلام : « لمّا دخل موسى في مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها ، وكان بين المغرب والعشاء ، رأى رجلين يقتتلان ، كان أحدهما من قومه والآخر من قوم فرعون ، فوكزه موسى بحكم اللّه ، فمات القبطي ، فقال موسى : هذا الاقتتال الذي كان بينهما من عمل الشيطان لا ما فعل موسى عليه السّلام من قتل القبطي بوكزه » . قال المأمون : فما معنى قول موسى : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ؟ قال عليه السّلام : « كان مراد موسى مناجاته : ربّ إني وضعت نفسي في غير موضعها ، حيث دخلت هذه المدينة ، فاسترني ربّي من أعدائي حتى لا يظفروا بي فيقتلونني ، فستره اللّه تعالى منهم ، ثمّ قال : ربّ بما أنعمت عليّ من كمال القوة بحيث قتلت الرجل بوكزة ، فلن أكون ظهيرا للمجرمين ، بل أجاهدهم في سبيلك بقوّتي حتى ترضى » « 1 » . أقول : بعد ثبوت عصمة الأنبياء بحكم العقل ودلالة الآيات وتظافر الروايات ، فلا بدّ من حمل أمثال الآيات على غير ظاهرها ، ولو كان في غاية البعد لعدم إمكان رفع اليد عن الأدلّة القاطعة بالظهورات والظنون ، وقيل : إنّ المعنى بحقّ إنعامك عليّ وإحسانك إليّ اعصمني فلن أكون معينا لمن تؤدّي معاونته إلى الجرم والقطيعة « 2 » . عن ابن عباس : أنّه عليه السّلام لم يستثن ، فابتلي بالعون مرة أخرى كما سيأتي « 3 » . أقول : في الآية دلالة واضحة على حرمة إعانة المجرمين والعصاة والظالمين بما تصدق عليه الإعانة ، ولو بالكتابة وبري القلم ، وحسن إعانة المؤمنين في أداء التكاليف وسائر حوائجهم ، كما يدلّ عليه قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ « 4 » . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 18 ] فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 )

--> ( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 195 و 198 و 199 / 1 ، الاحتجاج : 426 و 428 ، بحار الأنوار 13 : 32 / 6 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 391 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 2 .