الشيخ محمد النهاوندي

11

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وفرعون يسلّيه ويلعب معه ، لشدة حبّه إياه ، فلمّا رأى أمّ موسى أعطاها موسى ، فاحتضنته وألقمته ثديها ، فلمّا شمّ موسى رائحة امّه أخذ ثديها ، فقال فرعون : من أنت منه ، فقد أبى كلّ ثدي إلّا ثديك ؟ قالت : أنا امرأة حسنة الخلق ، طيّبه الريح واللبن ، لا اوتى بصبي إلّا ثديي ، فدفعه إليها وأجرى عليها اجرتها كلّ يوم دينار ، وقال : آتيني بها كلّ أسبوع مرة ، فرجعت به إلى بيتها من يومها مسرورة « 1 » ، فأخبر اللّه تعالى بانجاز وعده بقوله : فَرَدَدْناهُ وأرجعناه إِلى أُمِّهِ حسب وعدنا كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بوصال ولدها وَلا تَحْزَنَ بفراقه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ جميعه في حقّ موسى حَقٌّ وصدق لا يمكن الخلف فيه وَلكِنَّ الناس أو آل فرعون أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بصدق مواعيده . ثمّ قيل : إنّ موسى مكث عند امّه إلى فطامه ، ثمّ ردّته إلى فرعون وآسية ، فنشأ في حجرهما يربيّانه بأيديهما واتّخذاه ولدا ، فبينا هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده قضيب له يلعب به ، إذ رفع القضيب فضربه على رأس فرعون ، فغضب اللّعين ، وتطيّر من ضربه ، وهمّ بقتله ، فقالت آسية : أيّها الملك لا يشقّن عليك ولا تغضب ، فانّه صبيّ صغير لا عقل له ، وإن شئت اجعل في الطشت جمرا وذهبا ، فانظر إلى أيّهما يقبض ، فأمر فرعون بذلك ، فلمّا مدّ موسى يده إلى الذهب قبض الملك الموكّل به على يده ، فردها إلى الجمر ، فقبض موسى عليها ، فالقاها في فيه ، ثم قذفها حين وجد حرارتها ، فقالت آسية : ألم أقل لك إنّه لا يعقل شيئا ، فصدّقها وكفّ عنه « 2 » . ثمّ روي عن الباقر عليه السّلام « أنّه لم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال » الخبر « 3 » . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 ) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) ثمّ أخبر اللّه بنبوته بقوله : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وكمال قوّته في جسده ، وهو على ما قيل ما بين ثماني عشر إلى ثلاثين « 4 » . وعن ابن عباس : إلى أربعين « 5 » وَاسْتَوى واعتدل وكمل عقله .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 387 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 388 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 137 ، تفسير الصافي 4 : 83 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 232 ، تفسير روح البيان 6 : 388 . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 232 .