الشيخ محمد النهاوندي

8

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

اللبن حتى أشربه كلّه . فقال جبرئيل : قضي الأمر ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيي عن بيّنة . ثمّ قال جبرئيل : قم يا محمّد ، فقمت فإذا بسلّم من ذهب قوائمه من فضّة ، مركّب من اللؤلؤ والياقوت ، يتلألأ نوره ، وأسفله على صخرة بيت المقدس ، ورأسه في السماء ، فقيل لي : يا محمّد ، اصعد . فصعدت فانتهيت إلى بحر أخضر عظيم أعظم ما يكون من البحار ، فقلت : يا جبرئيل ، ما هذا البحر ؟ فقال : يا محمّد ، هذا بحر في الهواء لا شيء فوقه يتعلّق به ، ولا شيء تحته يقرّ فيه ، ولا يدري قعره وعظمته إلّا اللّه ، ولولا أنّ هذا البحر كان حائلا لاحترق ما في الدنيا من حرّ الشمس » . قال : « ثمّ انتهيت إلى سماء الدنيا ، واسمها رقيع ، فأخذ جبرئيل بعضدي ، وضرب بابها به « 1 » ، وقال : افتح الباب . قال الحارس : من أنت ؟ قال : جبرئيل . قال : ومن معك ؟ قال : محمّد . قال : أو قد بعث محمّد ؟ قال : نعم . قال : الحمد للّه . ففتح [ لنا ] الباب ودخلنا ، فلمّا نظر إليّ قال : مرحبا بك يا محمّد ، ولنعم المجيء مجيئك . فقلت : يا جبرئيل ، من هذا ؟ قال : هذا إسماعيل خازن سماء الدنيا ، وهو ينتظر قدومك ، فادن وسلّم عليه ، فدنوت وسلّمت ، فردّ عليّ السّلام وهنّأني ، فلمّا صرت إليه قال : أبشر يا محمّد ، فإنّ الخير كلّه فيك وفي امّتك . قال : وإذا جنوده قائمون صفوفا ، ولهم زجل بالتسبيح يقولون : سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرّوح ، قدّوس قدّوس لربّ الأرباب ، سبحان العظيم الأعظم » . قال : « ثمّ انتهيت إلى آدم ، فإذا هو كهيئته يوم خلقه اللّه ، وكان تسبيحه : سبحان الجليل الأجلّ ، سبحان الواسع الغنيّ ، سبحان [ اللّه ] العظيم وبحمده ، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريّته المؤمنين ، فيقول : روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب ، اجعلوها في علّيين ، وتعرض عليه أرواح ذرّيته الكفّار ، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة خرجت من جسد خبيث ، اجعلوها في سجّين » قال صلّى اللّه عليه وآله : « فتقدّمت إليه وسلّمت عليه ، فقال : مرحبا بالابن الصالح والنبيّ الصالح » . قال صلّى اللّه عليه وآله : « ورأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل « 2 » ، في أيديهم قطع من نار كالأفهار - أي الحجارة التي [ كلّ ] واحد منها ملء الكفّ - يقذفونها في أفواههم ثمّ تخرج من أدبارهم ، قلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال : أكلة أموال اليتامى ظلما . ثمّ رأيت رجالا لهم بطون أمثال البيوت ، فيها حيّات ترى من خارج البطون بطريق آل فرعون يمرّون عليهم كالإبل المهيومة « 3 » حين يعرضون على النّار ، لا يقدرون أن يتحوّلوا من مكانهم ذلك -

--> ( 1 ) . في النسخة : وضرب بابه . ( 2 ) . مشفر الإبل : بمثابة الشفة للانسان . ( 3 ) . أي العطشى .