الشيخ محمد النهاوندي
72
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
عن ابن عباس الفتيل : هو الوسخ الذي يظهر بفتل الانسان إبهامه بسبابته « 1 » . قيل : إنّما خصّ أصحاب اليمين بالقراءة ؛ لأنّ أصحاب الشمال إذا أطّلعوا على ما في كتابهم أخذهم الحياء والخجل والعجز عن إقامة حروف الكتاب ، أو يستولى الخوف والوحشة على قلوبهم ، ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة ، وأمّا أصحاب اليمين فهم يقرأون كتابهم على أحسن الوجوه ، ثمّ لا يكتفون بقراءتهم وحدهم ، بل يقولون لأهل المحشر : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 72 ] وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 72 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان نعمته العظيمة على الإنسان في الدنيا وإحسانه إليه « 3 » في الآخرة ، هدّد الكافرين لنعمه بقوله : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ النعم الجسيمة الدنيوية ، أو في هذه الدنيا أَعْمى القلب عن معرفة منعمه ورؤية نعمه عليه ، أو بطريق تقربّه إليه فَهُوَ فِي أمر الْآخِرَةِ ومعرفة أحوالها وطريق السلامة فيها ، أولى بأن يكون أَعْمى القلب وفاقد البصيرة . عن عكرمة ، قال : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس ، فسأله رجل عن هذه الآية ، فقال : اقرأ ما قبلها ، فقرأ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ إلى قوله : تَفْضِيلًا « 4 » قال ابن عباس : من كان في هذه النّعم التي قد رأى وعاين أعمى ، فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى « 5 » . وَأَضَلُّ سَبِيلًا . وفي نقل آخر عنه قال : من كان في الدنيا أعمى عمّا يرى من قدرة اللّه في خلق السماوات والأرض ، والبحار والجبال ، والناس والدوابّ ، فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ، وأبعد عن تحصيل العلم به « 6 » . وقيل : يعني من كان في الدنيا ضالا كافرا ، فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ، لأنّه في الدنيا يهتدي إلى التخلّص من أنواع الآفات ، وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك ، وفي الدنيا تقبل توبته ، وفي الآخرة لا تقبل « 7 » . وقيل : يعني من كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة اللّه ، فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنّة « 8 » . وقيل : يعني من كان في هذه الدنيا منهمكا في الشهوات ، ومنغمرا في ظلمات الجهل ، فهو في الآخرة أعمى ليس معه شيء من أنوار معرفة اللّه ، فيكون منغمرا في ظلمات شديدة وحسرة
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 21 : 18 . ( 2 ) . تفسير الرازي 21 : 18 ، والآية من سورة الحاقة : 69 / 19 . ( 3 ) . في النسخة : إليهم . ( 4 ) . الإسراء : 17 / 66 - 70 . ( 5 ) . تفسير الرازي 21 : 18 . ( 6 و 7 ) . تفسير الرازي 21 : 19 . ( 8 ) . تفسير الرازي 21 : 19 .