الشيخ محمد النهاوندي

600

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّه تعالى بعد الاحتجاج على التوحيد وإبلاغ البيان فيه ، ختم الكلام بأمر نبيّه بإظهار التزام نفسه به ، قبلوا قوله وحججه أوّلا ، قطعا لطمع المشركين من أن يميل عليه السّلام إلى دينهم ، وإظهارا لعدم المبالاة بلجاجهم وعنادهم بقوله : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ التي هي أحبّ البلاد لديّ وأكرمها وأعظمها عندي وعند ربّي الَّذِي حَرَّمَها وجعلها لمن دخلها ، وممنوعة من أن تهتك حرمتها ، ويعضد شجرها « 1 » ، وينفّر صيدها ، ومن المعلوم أنّ ذلك كلّه من نعم ربّي عليّ وعليكم ، وليس إضافتها إليه لاختصاص ربوبيته بها ، بل وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ من هذه البلدة وغيرها من الموجودات وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ والمنقادين له ، والمطيعين لأحكامه ، أو من الثابتين على دينه وَ أمرت أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ الذي أنزله عليّ ، وإن تجحدونه أنّه منه ، وتنسبونه إلى السّحر مرة ، وإلى الشعر أخرى ، وإلى الكهانة ثالثة ، وإلى الأساطير رابعة فَمَنِ اهْتَدى إلى التوحيد ودين الاسلام والسعادة الأبدية بهدايته وإرشادك فَإِنَّما يَهْتَدِي إلى كلّ خير عائد لِنَفْسِهِ لا يتعدّى إلى غيره وَمَنْ ضَلَّ بمخالفتك عن الصراط المستقيم ، وانحرف عن الطريق القويم فَقُلْ له : ليس عليّ وبال ضلالك و إِنَّما أَنَا منذر مَنْ جملة الْمُنْذِرِينَ ورسول من الرسل ليس عليّ إلّا الإنذار والتبليغ ، وقد أدّيت ما عليّ ، وخرجت عن عهدة ما كلّفت به ، وعليكم الاهتداء والايمان ، وبقي ما عليكم واللّه مجازيكم عليه . ثمّ لمّا بيّن وظيفته وهو التبليغ ، وخروجه من عهدتها ، وبراءته من وبال مخالفة أمّته ، أمره اللّه سبحانه بالشكر على نعمه عليه بقوله : وَقُلِ يا محمد الْحَمْدُ لِلَّهِ على إكمال نعمه عليّ من العلم والحكمة والنبوة والكتاب ، وتوفيقه للقيام بوظيفة الرسالة وتحمّل أعباء النبوة ، وأمّا أنتم يا مشركي قريش ، فاعلمكم أنّ اللّه المنتقم سَيُرِيكُمْ في الدنيا أو الآخرة آياتِهِ القاهرة وعقوباته الشديدة فَتَعْرِفُونَها حين لا ينفعكم معرفتها ، وتقرّون بها حين لا يفيدكم الإقرار . القميّ ، قال : الآيات أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السّلام إذا رجعوا إلى الدنيا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه قال : « واللّه ما للّه آية أكبر مني » « 3 » . قال مقاتل : يعني سيريكم آياته عن قريب من الأيام ، فطوبى لمن رجع قبل وفاته ، والويل على من

--> ( 1 ) . يعضد شجرها : أي يقطع . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 132 ، تفسير الصافي 4 : 79 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 132 ، تفسير الصافي 4 : 79 .