الشيخ محمد النهاوندي

592

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ قرّر سبحانه سعة علمه بقوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ وأمر خفيّ غاية الخفاء فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا وهو مكشوف عنده ، ومكتوب فِي كِتابٍ مُبِينٍ واللوح المحفوظ الظاهر للناظرين فيه من الأنبياء الصالحين والملائكة المقرّبين . ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات توحيده وسعة قدرته وعلمه المستلزمة للمعاد ، شرع في إثبات نبوة نبيه باعجاز القرآن بقوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ الذي جاء به محمد الامّي الذي لم يخالط عالما ، ولم يستفد من أحد العلماء ، ولم يقرأ كتابا يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ويبيّن لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كشأن عيسى وعزير ، والمعارف الإلهية من التشبيه والتنزيه ، وأحوال المعاد والجنّة والنار ، وقصص الأنبياء وغيرها ، حتى لعن بعضهم بعضا ، وَإِنَّهُ بفصاحته وبلاغته البالغتين حدّ الإعجاز ، ومطابقة ما فيه من المعارف والأحكام للعقول السليمة ، وخلوّة من التناقض والتهافت لَهُدىً ورشاد إلى نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسائر العقائد الحقّة وَرَحْمَةٌ ووسيلة للفوز إلى السعادة الأبدية والمقامات العالية لِلْمُؤْمِنِينَ . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 78 إلى 81 ] إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 ) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر اختلاف الناس ، بين أنّه مع إنزاله القرآن الرافع للاختلاف ، يكون هو الحاكم بينهم يوم القيامة بقوله : إِنَّ رَبَّكَ حين حضور المصيب والمخطئ عنده يوم القيامة يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ العدل وفصله الحقّ وَهُوَ الْعَزِيزُ القادر على إنفاذ حكمه من غير مدافع ومزاحم و الْعَلِيمُ بكلّ شيء ، ومنه الحقّ الذي اختلفوا فيه ، فلا تكن من اختلافهم في تعب ، فإذا كان ربّك قادرا على حفظك عالما بحالك فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وفوّض أمرك إليه ، ولا تبال بهم ، ولا تلتفت إلى اختلافهم إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ والدين الواضح صحّته ، ومن المعلوم أنّ من هو على الحقّ حقيق بنصر اللّه . ثمّ ذمّ سبحانه المخالفين له ، المصرّين على الكفر والباطل ، وقطع طمعه عن هدايتهم وإيمانهم ، إراحة لقلبه الشريف من تعب اجتهاده في دعوتهم بقوله : إِنَّكَ لا تقدر على هداية هؤلاء الكفرة ؛ لأنّهم بمنزلة الموتى ، لسقوط قلوبهم عن قابلية الانتفاع بالآيات واستماع الدلائل والبراهين والاتّعاظ