الشيخ محمد النهاوندي

575

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

شأني ؟ فانّي منذ ملكت زمام السلطنة ما كُنْتُ قاطِعَةً ومنفذّة أَمْراً من الأمور المهمة وغيرها حَتَّى تَشْهَدُونِ وتحضرون عندي ، وتصوّبون عملي ، اعتمادا على عقولكم ، واستمدادا بآرائكم قالُوا في جوابها : نَحْنُ رجال أُولُوا قُوَّةٍ وذوو الأجسام العظيمة السليمة والعدد الكثير ، والعدّة الكاملة للحرب وَأُولُوا بَأْسٍ وبطش شَدِيدٍ ونجدة وشجاعة تامة في قتال العدوّ . ثمّ لمّا كان حسن الأدب في أن لا يحكم أهل المشورة على الرئيس المستشير بالعمل برأيهم ، بل عليهم أن يخبروه في ما أراد قالوا : وَالْأَمْرُ مفوّض إِلَيْكِ موكول إلى نظرك ورأيك ، فإذا كان كذلك فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ به حتى نطيعك فيه ، فلمّا رأت ميلهم إلى الحرب باظهار قوتهم الذاتية والعرضية ، وكان ذلك عندها خلاف الصواب ، أخذت في تزييف رأيهم . قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا بالقهر والغلبة وبطريق المقابلة قَرْيَةً من القرى ، وبلدة من البلدان أَفْسَدُوها وخرّبوها ، وأتلفوا ما فيها من النفوس والأموال وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها وصيّروا أشراف ساكنيها أَذِلَّةً بالأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة والاذلال . ثمّ أكّدت قولها بقولها : وَكَذلِكَ الذي قلت ملوك الدنيا يَفْعَلُونَ بحسب العادة والسيرة المستمرة ، فعلى هذا يكون في مقاتلتهم وغلبتهم علينا تخريب ملكنا ، وإذلال رعايانا ، فاذن كان الأصلح هو الصلح . وعن القمي وبعض العامة : أنّ الذليل كلام اللّه ، تصديقا لقول بلقيس « 1 » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ثمّ ذكرت مقدمة الصلح بقولها : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ عظيمة فَناظِرَةٌ ورائية ، أو منتظرة بِمَ يَرْجِعُ إليّ من الخبر الْمُرْسَلُونَ من قبلي إلى سليمان ، أنّه قبل الهدية أو ردّها ، فنستكشف من معاملته ومكالمته حالته أنّه نبي أو ملك ، ونعلم غرضه أنّه السلطنة أو الهدية ، فنعمل بمقتضاه . روي أنّها بعثت خمسمائة غلام ، عليهم ثياب الجواري وحليهن « 2 » كالأساور والأطواق والقرطة مخضبي الأيدي ، راكبي خيل مغشّاة بالدّيباج ، محلّاة اللّجم والسّروج بالذهب المرصّع بالجواهر ،

--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 128 ، تفسير روح البيان 6 : 344 ، تفسير الصافي 4 : 65 . ( 2 ) . في النسخة : سلبهن .