الشيخ محمد النهاوندي
570
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
سليمان ، فنظر إلى الطيور فرأى مكان الهدهد خاليا منه ، فتفحّص عنه ، واحتمل أن يكون عدم رؤيته إياه لتغييره مكانه ، أو لعروض مانع عن رؤيته فقال : ما لي لا أرى الهدهد ؟ [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 21 إلى 22 ] لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) ثمّ [ لمّا ] احتاط وبالغ في التفتيش والسؤال عنه ، حتى علم أنه غائب ، أضرب عمّا احتمل ، وقال : بل كان من الغائبين ، وغضب عليه ، وقال : واللّه لَأُعَذِّبَنَّهُ تأديبا وصلاحا لانتظام الملك عَذاباً شَدِيداً وهو نتف ريشه « 1 » وإلقاؤه في الشمس ، كما عن بن عباس « 2 » ، أو ألقاؤه حيث النمل فتأكله ، أو طليه بالقطران وتشميسه ، أو عزله من خدمته ، أو إلزامه خدمة أقرانه ، أو التفريق بينه وبين إلفه وزوجته ، أو تزويجه من عجوز ، أو جعله مع ضدّه في قفص « 3 » أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لتعتبر به أبناء جنسه ، ولئلّا يكون له نسل أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجّة واضحة على عذره في غيبته . وإنّما كان الحلف في الواقع على أحد الفعلين الأولين على تقدير عدم الثالث ، ولكن لمّا كان مقتضيا لوقوع أحد الثلاثة جعل الثلاثة في الظاهر متعلّقا للحلف على سبيل المجاز ، فحلف على أنّه لا بدّ من وقوع أحد الثلاثة . حكي أنّه لما أرتفع الهدهد إلى الهواء رأى هدهدا آخر واقفا فانحطّ إليه في الهواء ، ووصف له ملك سليمان وما سخّر له من كلّ شيء ، ووصف له صاحبه ملك بلقيس واقتدارها ، وأنّ تحت يدها اثني عشر ألف قائد ، تحت يد كلّ قائد مائة ألف ، فذهب معه لينظر ، فما رجع إلّا بعد العصر « 4 » فَمَكَثَ سليمان وانتظره زمانا قريبا غَيْرَ بَعِيدٍ وأمدا غير مديد . قيل : دعا سليمان عليه السّلام عريف الطير ، وهو النسر ، فسأله عن الهدهد فلم يجد علمه عنده ، ثمّ قال لسيد الطير وهو العقاب : عليّ به ، فارتفعت فنظرت ، فإذا هو مقبل فقصدته ، فناشدها اللّه تعالى وقال : بحقّ الذي قوّاك وأقدرك إلّا رحمتني ، فتركته وقالت : ثكلتك امّك ، إنّ نبيّ اللّه حلف ليعذّبك ، قال : أو ما استثنى ؟ قالت : بلى . قال : أو ليأتيني بعذر مبين ، فلمّا قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّهما على الأرض تواضعا له ، فلمّا دنا منه أخذ عليه السّلام برأسه فمدّه إليه ، فقال : يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه ، فارتعد سليمان ، ثمّ قال له : يا هدهد ، كيف أنت إن نتفت ريشك وألقيتك في حرّ
--> ( 1 ) . في النسخة : شعره . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 189 . ( 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 337 .