الشيخ محمد النهاوندي
564
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ظُلْماً على أنفسهم وَعُلُوًّا وطلبا للرفعة بين الناس ، أو استكبارا من الايمان بموسى عليه السّلام . قيل : كان ظهور استيقانهم من استغاثتهم بموسى عليه السّلام عند نزول كلّ آية في كشفها فكشفها عنهم « 1 » . فَانْظُرْ يا نبي الرحمة ، أو أيّها الناظر العاقل كَيْفَ كانَ وإلى ما صار عاقِبَةُ أمر الْمُفْسِدِينَ في الأرض ، وما كان نتيجة إفسادهم ، كان إغراقهم في الدنيا في الماء ، وإحراقهم في الآخرة بالنار . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 15 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان تفضّله على موسى عليه السّلام بإعطائه الآيات التسع ، وتخصيصه بمناجاته معه ، ذكر تفضّله على داود وسليمان بالعلم بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً شريفا عزيزا لائقا بهما ، وهي معرفة كاملة بربّهما وبحقائق الأشياء وبالأحكام الشرعية ، فشكرا ذلك وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا بما آتانا من العلم عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الذين هم أفضل مخلوقاته . أقول : فيه دلالة واضحة على كون العلم أفضل الكمالات الدنيوية والأخروية . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 16 ] وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) ثمّ شرع سبحانه في بيان ما خصّ به سليمان من الفضائل والنّعم بقوله : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ أباه داوُدَ ماله وملكه ونبوّته . وقال بعض مفسري العامة : المراد إرث المال « 2 » . وعن بعضهم : إرث الملك والسياسة « 3 » . وعن الحسن وكثير منهم : إرث المال والملك ، وهو مروي عن أهل البيت عليهم السّلام « 4 » ، ولا يردّه الحديث الموضوع « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » كما زعمه الفخر الرازي « 5 » وغيره من العامة « 6 » ، بل تردّ الآية الرواية المذكورة ، لكونها مخالفة لكتاب اللّه ، كما استدلّت فاطمة عليها السّلام على بطلان الرواية بهذه الآية ونظائرها « 7 » . نعم يمكن إرادة المال والملك والنبوّة كما فسرّناها أولا بطريق عموم المجاز .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 324 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 24 : 186 . ( 4 ) . مجمع البيان 7 : 334 . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 186 . ( 6 ) . تفسير القرطبي 13 : 164 . ( 7 ) . راجع : بلاغات النساء : 26 ، الطرائف : 265 ، كشف الغمة 1 : 488 ، الاحتجاج : 102 .