الشيخ محمد النهاوندي

556

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ بأن يعظوا الناس ولا يتّعظون ، وينهون عن المنكر وهم لا ينتهون ، ويرغبون الناس في الأخلاق الحميدة ولا يتخلّقون بها ، وفي الأعمال الخيرية ولا يعملون بها ، بخلاف محمد صلّى اللّه عليه وآله فإنّه من أوّل أمره إلى آخره على طريقة واحدة ، وهي الدعوة إلى اللّه ، والترغيب في الآخرة ، والتزهيد عن الدنيا ، وبدأ في جميع ذلك بنفسه حيث قال في كتابه : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ « 1 » ثمّ بالأقربين منه حيث قال : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ « 2 » وكلّ ذلك مخالف لطريقة الشعراء ، فعلم أنّه صلّى اللّه عليه وآله ليس بشاعر . والحاصل أنّه لمّا نسب المشركون القرآن العظيم من حيث الإخبار بالمغيبات إلى الكهانة وقالوا : إنّما تنزّلت به الشياطين ، ومن حيث فصاحة الكلام وبلاغته إلى الشعر وقالوا : إنّ محمّدا شاعر ، ردّ اللّه الخرافتين ببيان منافاة الكهانة والشاعرية لحال الرسول العاقل الكامل الصادق التارك للهوى والدنيا . ثمّ أنّه روي أنّه لمّا نزلت الآيات الذامّة للشعراء قال حسان بن ثابت وابن رواحة وجمع من شعراء الصحابة : يا رسول اللّه ، إنّ اللّه يعلم أنّا شعراء ، ونخاف أن نموت على هذه الصفة ، ونحسب من أهل الغواية والضّلالة ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه » فنزلت « 3 » . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا باللّه ورسوله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ التي منها مدح النبيّ ودين الاسلام وهجو الكفّار ونصرة الرسول وَذَكَرُوا اللَّهَ بأشعارهم ذكرا كَثِيراً بأن كانت في إثبات التوحيد ، وبيان المعارف ، وصفات النبي صلّى اللّه عليه وآله ومدحه ومدح المعصومين من آله وترغيب الناس في الاسلام وزجرهم عن الكفر والعصيان ، والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحكمة والموعظة ونظائرها وَانْتَصَرُوا وانتقموا من الكفّار بهجوهم مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا من قبلهم بالهجو والإيذاء . روي أنه لمّا هجا المشركون النبي صلّى اللّه عليه وآله قالت الصحابة : ما منع المؤمنين الذين ينصرون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بسيوفهم أن ينصروه بألسنتهم ، فقال حسان وابن رواحة : يا رسول اللّه ، إنّا نكفيهم . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « اهجوهم وروح القدس معكم » « 4 » . وفي رواية قال صلّى اللّه عليه وآله لحسان : « اهج المشركين ، فانّ جبرئيل معك » « 5 » . وفي رواية عنه صلّى اللّه عليه وآله ، أنه قال لحسان : « اهجهم ، فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من [ رشق ] النبل » « 6 » .

--> ( 1 ) . الشعراء : 26 / 213 . ( 2 ) . الشعراء : 26 / 214 . ( 3 ) . مجمع البيان 7 : 326 ، الدر المنثور 6 : 334 ، تفسير الصافي 4 : 57 . ( 4 ) . مجمع البيان 7 : 326 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 317 . ( 6 ) . تفسير الرازي 24 : 176 .