الشيخ محمد النهاوندي

549

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أراك كئيبا حزينا ؟ قال : يا جبرئيل ، إنّي رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي ، ويضلّون الناس عن الصراط القهقرى ، فقال : والذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّ هذا شيء ما اطّلعت عليه ، فعرج إلى السماء ، فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ الآيات » « 1 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 208 إلى 212 ] وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) ثمّ نبّه سبحانه على أنّ عذابه لا يكون إلّا بعد إتمام الحجّة بقوله : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ظالمة من القرى بالعذاب إِلَّا كان لَها مُنْذِرُونَ من النبيّ والمؤمنين من أتباعه ، وإنما كان إنذارهم لأجل أن يكون ذِكْرى وعظة لهم وإتماما للحجّة عليهم وَما كُنَّا باهلاكهم في حال جهلهم ووجود العذر لهم ظالِمِينَ بهم ، بل كان محض العدل . ثمّ أنّه تعالى بعد بيان أنّ القرآن تنزيل ربّ العالمين لاشتماله على إعجاز البيان والإخبار بالمغيبات من ذكر قصص الأنبياء كما هي في زبر الأولين مع كون النبي أميا ، دفع قول القائلين بأنّه من إلقاءات الشياطين كسائر ما نزل على الكهنة بقوله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما أتت به مردة الجنّ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يصحّ منهم إنزاله ، مع اشتماله على المعارف والعلوم الحقّة الحقيقية الموجبة لإرشاد الخلق إلى الحقّ وجميع الخيرات الدنيوية والأخروية ، مع أن شغلهم إضلال الخلق وجدّهم فيه وَما يَسْتَطِيعُونَ ذلك أصلا لأنّهم لا يمكنهم العلم بالحقائق والمغيبات إلّا بالسّماع من الملائكة و إِنَّهُمْ بالشهب عَنِ السَّمْعِ من الملائكة لَمَعْزُولُونَ وممنوعون ، ولو كانوا غير معزولين عن السمع لنزلوا بمثله على الكهنة والكفّار مع كمال ارتباطهم بهم والموّدة بينهم ، ولم ينزلوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الذي هو أعدى عدوّهم وهم أعدى عدّوه ، لأنّه يلعنهم ويذّمهم دائما ويصرف الناس عن اتّباعهم . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 213 إلى 214 ] فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 )

--> ( 1 ) . من لا يحضره الفقيه 2 : 101 / 453 ، الكافي 4 : 159 / 10 ، تفسير الصافي 4 : 52 .