الشيخ محمد النهاوندي

546

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّما طلبوا العذاب لاستبعادهم وقوعه ، وظنّهم بأنّه إذا لم يقع ظهر كذبه « 1 » . فعند ذلك قالَ شعيب : رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ من الإصرار على الكفر والتكذيب ، فيعامل معكم بما تستحقّون ، فأمركم مفوّض إليه فَكَذَّبُوهُ بعد وضوح الحقّ وتمامية الحجّة كما كذّبوه من قبل فَأَخَذَهُمْ وشملهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ حسبما اقترحوه . روي أنّه حبس عنهم الريح سبعا ، وسلّط عليهم الرمل ، فأخذ بأنفاسهم ، لا ينفعهم الظل والماء ، فاضطرّوا إلى الخروج إلى البرّ ، فاظلّتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما ، فاجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا « 2 » إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بعظم ما وقع فيه من العذاب . روي أنّه عليه السّلام بعث إلى أصحاب مدين وأصحاب الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبرئيل عليه السّلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلّة « 3 » إِنَّ فِي ذلِكَ العذاب الهائل لَآيَةً وعبرة للنّاس وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . قيل : لم يؤمن من أصحاب الأيكة أحدا ، وإنّما آمن به جمع من أهل مدين « 4 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 195 ] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر القصص التي كان الإخبار بها من النبيّ الأمي من الإخبار بالمغيّبات ، أعلن بكون القرآن نازلا منه بقوله : وَإِنَّهُ بدلالة إعجاز البيان والاشتمال على المغيبات واللّه لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ لا اختلاق البشر نَزَلَ بِهِ بأمره جبرئيل الذي يقال له الرُّوحُ الْأَمِينُ على وحيه ، وتلاه عليك بحيث وعاه قلبك وحفظه كأنه نزل به أولا عَلى قَلْبِكَ ثمّ على ظاهرك . وقيل : لمّا كان المخاطب في الحقيقة القلب لكونه محل التميّز والاختبار وسائر الأعضاء مسخرة له « 5 » ، يكون هو محلّ النزول في الحقيقة ، فكأنّه قال : نزل عليك بحيث تفهمه حقّ الفهم لِتَكُونَ منذرا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ورسولا من المرسلين الذين ارسلوا بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ واضح المعنى لقومهم ، كهود وصالح وشعيب وإسماعيل ، أو المراد نزل به على قلبك بلغة عربية حتى لا يقول قومك : لا نفهم كتابك . عن أحدهما عليهما السّلام أنّه سئل عنه فقال : « يبين الألسن ، ولا تبينه الألسن » « 6 » .

--> ( 1 و 2 و 3 ) . تفسير الرازي 24 : 164 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 305 . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 166 . ( 6 ) . الكافي 2 : 462 / 20 ، تفسير الصافي 4 : 51 .