الشيخ محمد النهاوندي

53

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وروي أنّ الحصاة سبّحت في كفّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . وفي الحديث : « ما من طير يصاد إلّا بتضييعه التسبيح » « 2 » . أقول : الحقّ أنّ جميع الموجودات لها تسبيح تكويني وتسبيح اختياري ، وإنّما يسمعه من له اذن سامعة كالنبيّ والكمّلين من المؤمنين . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن ابعث » « 3 » . ويمكن أن يكون المراد من الآية المباركة كلا التسبيحين بإرادة القدر المشترك ، أو عموم المجاز . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ( 46 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه آيات توحيده وكمال ذاته ، وذمّ المشركين بعدم فهمهم وتفقّههم لها ، ذمّهم بإعراضهم عن القرآن المبين لمعارفه وللبراهين الدالة على توحيدة ، وتنزّهه عما لا يليق بوجوب وجوده وكمال ذاته ، وعدم فهمهم وتفقّههم ما فيه ، ومعاداتهم للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله : وَإِذا قَرَأْتَ يا محمّد الْقُرْآنَ الحاوي للحكم والمعارف جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ المشركين الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ والبعث بعد الموت حِجاباً وسترا يسترك عنهم حتّى لا يؤذونك ، وكان ذلك الحجاب أيضا مَسْتُوراً عن أعينهم ، أو المراد حجابا ذا ستر يسترك عنهم وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً وأغطية كراهة أَنْ يفهموا القرآن و يَفْقَهُوهُ حقّ فهمه وفقهه ، ويعرفوا جهات إعجازه ودلائل صدقه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وثقلا عن سماعة اللائق به ، قيل : إنّ الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إذا قرأ القرآن على الناس « 4 » . وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان كلّما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان ، وعن يساره آخران من ولد قصيّ ، يصفّقون ويصفرون ويخلّطون عليه بالأشعار « 5 » . وعن أسماء : أنه صلّى اللّه عليه وآله كان جالسا ومعه أبو بكر ، إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر « 6 » تريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهي تقول : مذمّما أتينا * ودينه قلينا

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 5 : 164 . ( 2 ) . تفسير العياشي 3 : 54 / 2527 ، تفسير الصافي 3 : 195 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 163 . ( 4 ) . تفسير الرازي 20 : 220 . ( 5 ) . تفسير الرازي 20 : 220 ، تفسير أبي السعود 5 : 176 . ( 6 ) . الفهر : الحجر .