الشيخ محمد النهاوندي

529

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أَ فَرَأَيْتُمْ قيل : إنّ التقدير أنظرتم فأبصرتم ، أو تأملتم فعلمتم « 1 » ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ وكبراؤكم السابقون حقّ الإبصار ، أو حقيقة العلم بأن الباطل لا يصير حقّا بكثرة قائليه وقدم عامليه ، لا واللّه لم تنظروا ولم تقفوا على حال أصنامكم فَإِنَّهُمْ لكثرة ضررهم كأنّهم عَدُوٌّ لِي في الدنيا ، أو في الآخرة بعد إحيائهم ، أو عابدهم عدوّ لي ، وفيه تعريض على كونه عدوّ لعبدتهم ، وإظهارا لنصحهم بصورة نصح نفسه ليكون أقرب إلى القبول . ثمّ نبّههم على حصر النفع في عبادة اللّه بقوله : إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ والتقدير : أنّ جميع الآلهة الذين كانوا يعبدونهم عدوّ إلّا رب العالمين فانّه كان في آبائهم من يعبده ، أو التقدير : لا وليّ لي إلّا ربّ العالمين . وقيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى : ولكن ربّ العالمين وليي وحبيبي في الدنيا والآخرة لا يزال يتفضّل عليّ بمنافعهما « 2 » التي يجب أن يكون المعبود واجدا لها ، بقوله : الَّذِي خَلَقَنِي وأخرجني من كتم العدم إلى الوجود الذي هو أعظم النّعم فَهُوَ يَهْدِينِ ويرشدني إلى معرفته ، وطريق تحصيل مرضاته ، وصلاح الدارين من بدو الخلق إلى زهوق الرّوح ، ممّا ينتظم به المعاش والمعاد ، فانّه « 3 » يهدي في البدو إلى امتصاص دم الحيض ، وعند الكمال إلى الحقّ ، وفي الآخرة إلى الجنّة . وقيل : يعني خلقني لإقامة الحقّ ، ويهديني إلى دعوة الخلق ، أو خلقني للطاعة ، ويهديني إلى الجنّة « 4 » ، وإنّما اختلف الفعلان بالماضوية والمضارعية لتقدّم الخلق واستمرار الهداية . وَالَّذِي هُوَ وحده بعد الخلق يُطْعِمُنِي نعمه لتقوية أجزاء بدني وَيَسْقِينِ الشراب لتربية أعضاء جسدي بخلق المطعوم والمشروب والتسليط عليهما ، وإيجاد جميع مقدّمات الانتفاع بهما كالشهوة وقوّة المضغ والابتلاع والهضم والدفع وغير ذلك ، وإنّما كرّر الموصول للدلالة على استقلال كلّ واحد من الصلات في استحقاق العبادة وإيجابها وَإِذا مَرِضْتُ من التفريط في المطاعم والمشارب ، وفساد الأخلاط ، أو اقتضاء الحكمة فَهُوَ بلطفه يَشْفِينِ ويبرئني من المرض ، وإنّما أضاف المرض إلى نفسه مع كونه من اللّه لرعاية الأدب ، أو لكونه بصدد ذكر النّعم ، ولا ينتقض بذكر الموت ، فانّه نعمة من حيث إنّه سبب للتخلّص من آفات الدنيا وشدائدها ، والخلاص من المضيقة وقفص الجسد ، والدخول في فسحة عالم الآخرة ، والنيل بالمحابّ التي تستحقر دونها

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 6 : 248 ، تفسير روح البيان 6 : 282 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 6 : 248 ، تفسير روح البيان 6 : 82 ، وفي النسخة : منافعه . ( 3 ) . في النسخة : فاية . ( 4 ) . مجمع البيان 7 : 303 .