الشيخ محمد النهاوندي
522
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فلما سمع السّحرة تهديده قالُوا مجيبين له : لا ضَيْرَ فيه علينا ، ولا بأس به ، فإنّا لا نبالي بالموت إِنَّا إِلى رَبِّنا بعد الموت مُنْقَلِبُونَ وراجعون ، وهذا أقصى منانا ، لأنّه تعالى يكرمنا ويثيبنا أفضل الثواب على إيماننا بالصبر على ما أصابنا في مرضاته . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 51 ] إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) ثمّ نبّهوا على أنّ الكفر ومعارضة النبيّ من أعظم المصائب بقولهم : إِنَّا نَطْمَعُ ونرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا ومعاصينا من الكفر ومعارضة موسى وغير ذلك لأجل أَنْ كُنَّا من بين الناس ، أو الذين حضروا الموقف ، أو اتّبعوا فرعون أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ باللّه وبنبوة موسى عليه السّلام . وعن الصادق عليه السّلام - في رواية - : « فألقى موسى عصاه ، فذابت في الأرض مثل الرّصاص ، ثمّ طلع رأسها ، وفتحت فاها ، ووضعت شدقها العليا على رأس قبة فرعون ، ثمّ دارت وأرخت شفتها السّفلى والتقمت عصيّ السّحرة وحبالهم ، وغلب كلّهم ، وانهزم الناس أجمعون حين رأوها وعظمها وهولها بما لم تر العيون ، ولا وصف الواصفون مثله ، فقتل في الهزيمة من وطء الناس بعضهم بعضا عشرة آلاف رجل وامرأة وصبيّ ، ودارت على قبّة فرعون ، فأحدث هو وهامان في ثيابهما ، وشاب رأسهما « 1 » من الفزع ، وفر « 2 » موسى في الهزيمة مع الناس ، فناداه اللّه عزّ وجلّ : خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى « 3 » فرجع موسى عليه السّلام ولفّ على يده عباءا كانت عليه ، ثمّ أدخل يده في فيها فإذا هي عصاه « 4 » كما كانت ، وكان كما قال اللّه عزّ وجلّ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ لما رأوا ذلك و قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ * رَبِّ مُوسى وَهارُونَ فغضب فرعون غضبا شديدا و قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ يعني موسى الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ الآية فقالوا له كما حكى اللّه عزّ وجل لا ضَيْرَ الآيتان ، فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن حتى أنزل اللّه عزّ وجلّ عليهم الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم ، فأطلق عنهم » « 5 » . وقيل : إنّ اللّعين قطع أيدي السّحرة وأرجلهم من خلاف ، وصلبهم على شاطيء النيل ، وكان موسى ينظر إليهم ويبكي ، فأراه اللّه منازلهم في الآخرة ، فسلّى قلبه « 6 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 52 إلى 59 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 )
--> ( 1 ) . زاد في تفسير القمي : وغشي عليهما . ( 2 ) . في تفسيري القمي والصافي : مر . ( 3 ) . طه : 20 / 21 . ( 4 ) . في تفسيري القمي ، والصافي : عصا . ( 5 ) . تفسير القمي 2 : 120 ، تفسير الصافي 4 : 36 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 6 : 275 .