الشيخ محمد النهاوندي

516

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أجاب عليه السّلام عن منّته عليه بالتربية بقوله : وَتِلْكَ التربية نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ولكن كانت لأجل أَنْ عَبَّدْتَ واستعبدت بَنِي إِسْرائِيلَ واستخدمتهم وذبحت أبناءهم ولذا ألقتني أمّي في اليمّ ، ولولا هذا الظلم منك عليهم ما احتجت إلى تربيتك . وقيل : يعني إنما أنفقت عليّ من أموال قومي الذين استعبدتهم وأخذت أموالهم ، فلا منّه لك عليّ ، أو أنّك وإن ربّيتني إلّا أنك ظلمت قومي ، أو أنّ الذي ربّاني كان من الذين عبدتهم ، وهو أمّي وسائر قومي ، وإنّما الذي كان منك إنّك لم تقتلني « 1 » . وعلى أيّ تقدير : لما أجاب عن طعنه فيه ومنّته عليه ، أخذ فرعون في الاعتراض على ما ادّعاه من رسالة ربّ العالمين و قالَ فِرْعَوْنُ تجاهلا في معرفته [ و ] حفظا لملكه ورياسته : يا موسى وَما حقيقة مرسلك الذي تقول إنّه رَبُّ الْعالَمِينَ وما كنه ذاته ؟ فإنّ رسوله لا بدّ من معرفته بالذات ، ولمّا لم يكن معرفة ذاته البسيطة من جميع الأجزاء العقلية والخارجية ممكنا ، أجابه موسى ببيان صفاته وآثاره و قالَ : هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا من الموجودات وخالقها ومدبّرها ، فاعرفوه بهذه الصفة إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بأنّ هذه الموجودات الممكنة لا بدّ أن يكون وجودها مستندا إلى واجب الوجود بالذات ، وأقنعوا بهذا الجواب الذي هو أحسن الأجوبة عن سؤالكم . وقيل : يعني إنّ كنتم موقنين بالأشياء محقّقين لها بالنظر الصحيح المؤدي إلى الإيقان ، علمتم بأنّ العالم عبارة عمّا ذكرت وربّه خالقه ومدبّره « 2 » . ولمّا لم يفهم فرعون جواب موسى عليه السّلام ومطابقته لسؤاله تعجّب منه و قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ وفي مجلسه من الأشراف أَ لا تَسْتَمِعُونَ إلى هذا الجواب فإنّي أسأله عن حقيقة مرسله وجنسه ، وهو يجيب بأفعاله وآثاره ، وهذا عجيب من عقل هذا الرجل . ثمّ لما كان مجال دعوى ، قدّم السماوات والأرض وعدم احتياجهما إلى الموجد والمؤثر ، عدل موسى عليه السّلام عن الجواب الأول و قالَ رَبُّكُمْ وخالقكم ومن المعلوم ان الشخص لا يكون خالق

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 126 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 269 .