الشيخ محمد النهاوندي
514
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا وصف ذاته المقدّسة بالوصفين المقتضيين لإرسال الرّسل وإمهال مكذّبيهم والانتقام منهم بعد حين ، شرع في بيان قصصهم ، ولمّا كان قصّة بعث موسى وامّته أعجب بدأ بذكرها بقوله : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى في جانب الطّور الأيمن من الشجرة أَنِ ائْتِ يا موسى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ على ربّهم وعلى أنفسهم بالكفر والطغيان ، وعلى بني إسرائيل باستعبادهم وذبح أولادهم ، أعني بالقوم قَوْمَ فِرْعَوْنَ لدعوتهم إلى توحيدي وطاعتي ، وإنذارهم من عذابي على الكفر والعصيان . ثم اظهر سبحانه التعجّب من جرأتهم عليه بقوله : أَ لا يَتَّقُونَ اللّه ولا يخافونه ، أو لا يحترزون عن عذابه بالايمان والطاعة . ثمّ كأنّه قيل : ماذا قال موسى ؟ فأجاب سبحانه بقوله : قالَ موسى متضرّعا إلى اللّه رَبِّ العالمين إِنِّي أَخافُ من أَنْ ينكروا نبوتي و يُكَذِّبُونِ في دعوى رسالتي وَيَضِيقُ لذلك صَدْرِي وقلبي ، فينقبض منه روحي وَلا يَنْطَلِقُ لذلك لِسانِي ويزيد فيه الحبسة « 1 » ، ويعسر عليّ الدعوة والمحاجّة فَأَرْسِلْ جبرئيل بالوحي إِلى أخي هارُونَ الذي هو أفصح لسانا منّي ، ليكون معينا لي في تبليغ رسالتك ، وهداية خلقك ، وإلّا لاختلّت مصلحة بعثي إليهم وَ مع ذلك لَهُمْ بزعمهم عَلَيَّ وفي عهدتي ذَنْبٌ عظيم ، وهو قتل القبطي دفعا عن السّبطي فَأَخافُ أن آتيهم وحدي من أَنْ يَقْتُلُونِ قصاصا قبل ادّعاء الرسالة كما ينبغي ، وأما هارون فلا ذنب لهم عليه ، ففائدة بعثي إليهم معه أتمّ وأكمل ، فردعه اللّه أولا عن احتمال قتله قبل إكمال التبليغ بقوله قالَ كَلَّا لا يقدرون على قتلك بالقصاص وغيره ، ثمّ أجاب مسألته في إرسال هارون معه بقوله ، فَاذْهَبا أنت وهارون إلى فرعون وقومه برسالتي مستدلّين على صدقكما في دعوتكما بِآياتِنا التسع إِنَّا مَعَكُمْ بالعون والنصرة ، ومع عدوّكما بالقهر والشّوكة ، ولمقالكما ومقال عدوكما مُسْتَمِعُونَ ولما يجري بينكما وبينه من الكلام سامعون فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا لفرعون وقومه : إِنَّا معا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك ، وإنّما أفرد الرسول للإشعار باستقلاله في الرسالة
--> ( 1 ) . الحبسة : ثقل في اللسان يمنع من الإبانة .