الشيخ محمد النهاوندي

51

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 40 إلى 41 ] أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) ثمّ أنّه تعالى بعد النهي عن الاشراك ، ذمّ المشركين القائلين بأنّ الملائكة بنات اللّه على هذا القول الفضيع ، وأنكر عليهم بقوله : أَ فَأَصْفاكُمْ وخصّكم رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وفضّلكم على نفسه بأفضل الأولاد في اعتقادكم وَاتَّخَذَ لنفسه مِنَ الْمَلائِكَةِ أولادا إِناثاً وبنات مع اعتقادكم بأنهنّ أخسّ الأولاد ، وهذا ممّا تنكره العقول ، فانّ الموالي لا يختارون لأنفسهم الأردأ ويعطون الأجود الأصفى للعبيد إِنَّكُمْ أيّها الجهّال الحمقاء ، واللّه لَتَقُولُونَ بقولكم : إنّ اللّه اتّخذ لنفسه ولدا ، وهو إناث قَوْلًا عَظِيماً وكلاما شنيعا في الغاية ، بحيث لا يقول به من له أدنى مسكة ، لبداهة أن الولادة من خصائص الجسم ، واللّه تعالى مجسّم الأجسام وخالق الوالد والولد ، ولا يعقل أن يكون جسما ، ومن لوازم الحاجة ، وهو تعالى غني بالذات . وعلى فرض المحال لا يمكن أن يختار لنفسه أخسّ الأولاد ، وهو موجد لهم ، فيالها من ضلالة ، وما أقبحها ! وَلَقَدْ صَرَّفْنا وبيّنا أو كررنا فِي هذَا الْقُرْآنِ الحجج والحكم والعبر لِيَذَّكَّرُوا وليتنبّهوا ويتدبّروا وَما يَزِيدُهُمْ هذا القرآن وتصريف البراهين والمواعظ التي منه إِلَّا نُفُوراً واشمئزازا منه ومن الحقّ . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 42 إلى 43 ] قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) ثمّ أنّه تعالى بعد النهي عن الشرك ، استدلّ على بطلانه بقوله : قُلْ يا محمّد ، للمشركين لَوْ كانَ مَعَهُ تعالى آلِهَةٌ أخرى من الأصنام والكواكب وغيرها كَما هم يَقُولُونَ : إنّ للّه شركاء في الألوهية إِذاً البتة لَابْتَغَوْا ولطلبوا إِلى معارضة ذِي الْعَرْشِ وخالق الموجودات والغلبة عليه في الألوهية والايجاد والتدبير في العالم سَبِيلًا ووسيلة ، كما هو دأب الملوك بعضهم مع بعض ، ولو طلبوا لفسد نظام العالم . وقيل : يعني لطلبوا لأنفسهم إلى التقرّب إليه تعالى سبيلا بتحصيل الكمالات الفائقة والمراتب العالية ، حتى يمكنهم أن يقرّبوكم إليه ويشفعوكم لديه « 1 » . ثمّ نزّه ذاته المقدّسة عن الشرك بقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى وتنزّه وارتفع بذاته عَمَّا يَقُولُونَ من وجود الشريك والولد له عُلُوًّا كَبِيراً وارتفاعا عظيما لا غاية له ، لأنّ المنافاة بين وجوب الوجود

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 217 .