الشيخ محمد النهاوندي
500
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الذي خلق برحمته جميع الموجودات قيل : إنّ المراد بالسجدّة هنا الصلاة « 1 » قالُوا اعتراضا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما تقول وَمَا الرَّحْمنُ وأي شيء هو ؟ فانّا لا نعرف أن يكون اسما لشيء أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا بالسجود له مع عدم معرفتنا إيّاه ، لا نطيعك في ذلك وَزادَهُمْ الأمر بالسجود للرحمن نُفُوراً وانزجارا عن الايمان . روي أن أبا جهل قال : إنّ الذي يقوله محمّد شعر . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « الشعر غير هذا ، إن هذا إلّا كلام الرحمن » فقال أبو جهل : بخ بخ ، لعمري واللّه إنّه لكلام الرحمن الذي باليمامة ، هو يعلّمك . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « الرحمن الذي هو إله السماء ، ومن عنده يأتيني الوحي » فقال : يا آل غالب ، من يعذرني من محمد ، يزعم أنّ اللّه واحد ، وهو يقول : اللّه يعلّمني والرحمن ، ألستم تعلمون أنّهما إلهان ؟ ثمّ قال : « ربّكم اللّه الذي خلق هذه الأشياء ، أمّا الرحمن فهو مسيلمة » « 2 » . قيل : فسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعليّ وجماعة الصحابة ، ولمّا رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين ، فهذا هو المراد من قوله : وَزادَهُمْ نُفُوراً أي فزادهم سجودهم نفورا « 3 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 61 إلى 62 ] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 ) ثمّ لمّا ذكر اللّه نفورهم عن السجود له ، بيّن كمال عظمته الموجبة لسجود جميع الموجودات له بقوله : تَبارَكَ وتعالى ، أو تكاثر خير الإله الَّذِي جَعَلَ بقدرته وحكمته فِي السَّماءِ لنفع الناس بُرُوجاً ومنازل الكواكب السبعة السيارة . وعن ابن عباس : البروج : هي الكواكب العظام « 4 » . وَجَعَلَ فِيها لهذا العالم المظلم سِراجاً وشمسا مضيئة وَقَمَراً مُنِيراً بالليل وَهُوَ القادر الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً وذوي عقبة يعقب كلّ منهما الآخر ، ويأتي خلفه . وعن ابن عباس : جعل كلّ واحد منهما يخلف صاحبه في ما يحتاج أن يعمل فيه ، فمن فرط في عمل أحدهما قضاه في الآخر « 5 » . وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لعمر بن الخطاب : وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : يا بن الخطاب ، لقد أنزل اللّه فيك آية ، وتلا : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً . . . ما فاتك من
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 235 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 105 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 106 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 24 : 106 .