الشيخ محمد النهاوندي

495

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ودفعهم عن باطلهم بهذا القرآن ، أو بسبب علوّ قدرك ، أو بسب كونك نذير جميع القرى جِهاداً كَبِيراً وعظيما . قيل : يعني جامعا لمجاهدات الرسل الكثيرة « 1 » . قيل : إن توصيف مجاهدته بالقرآن بالكبر ، لأنّه أكبر وأعظم من الجهاد بالسيف « 2 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) ثمّ بالغ سبحانه في بيان كمال قدرته بقوله : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ وأرسل ، أو خلط ، أو خلّى الْبَحْرَيْنِ والماء العظيمين في مجاريهما حال كونهما ممتازين كلّ من الآخر بحيث يقال : هذا الماء عَذْبٌ فُراتٌ وطيب رافع للعطش لغاية عذوبته وطيبه وَهذا الماء الآخر مِلْحٌ أُجاجٌ بليغ في الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وحاجزا وحائلا من الأرض ، أو من قدرته ، كأنّه يتنفّر كلّ منهما من الآخر ، ويقول له : وَحِجْراً مَحْجُوراً كما يقول الرجل ذلك لعدوّه تعوّذا من شرّه ، والمعنى أنّه يقول كلّ من البحرين للآخر : حرام محرّم عليك أن تختلط بي ، وتغلب عليّ ، وتزيل صفتي ، أو المراد تنافرا بليغا ، أو حدا محدودا ، والظاهر أنّ المراد بالبحر العذب الأنهار الكبار كالنّيل والفرات ودجلة ، ومن الملح الأجاج البحر المعهود ، لما قيل من أنّه لا وجود للبحر العذب « 3 » . قيل : إنّ دجلة تدخل في بحر فارس ، وهو المسمّى بالبحر الأخضر ، وتجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها « 4 » . وقيل : إنّ النيل يدخل في البحر الأخضر « 5 » ، وهو بحر فارس ، وهو على عذوبته ، والبحر مرّ زعاق . ثمّ إنّه تعالى بعد بيان كمال قدرته بصنعه في الماء ، بيّن قدرته بخلق الانسان الذي هو أحسن مخلوقاته وأشرفها منه بقوله : وَهُوَ القادر الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ الدافق المخلوق في أصلاب الرجال بَشَراً وإنسانا ينطوي فيه العالم الكبير فَجَعَلَهُ أو جعل الماء نَسَباً وذكرا ينسب إليه ويقال : فلان بن فلان وَصِهْراً وإناثا يتزوّج بهنّ . والظاهر أنّ النسب القرابة بالولادة ، والصّهر القرابة بالتزويج وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً بحيث لا حدّ

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 100 . ( 2 ) . تفسير الصافي 4 : 19 ، تفسير روح البيان 6 : 227 . ( 3 و 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 229 .