الشيخ محمد النهاوندي
452
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
على هذه الآية « 1 » حيث إنّها على إيجازها حاوية لجميع ما ينبغي للمؤمن أن يفعله . ثمّ لمّا بيّن سبحانه استنكاف المنافقين عن إطاعة الرسول والانقياد لحكمه ، حكى حلفهم الكاذب على طاعتهم له بقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وحلفوا أشدّ حلفهم تقوية لما أخبروا به من قولهم : لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ بالخروج لَيَخْرُجُنَّ . عن مقاتل لمّا بيّن اللّه تعالى كراهة المنافقين لحكم الرسول فقالوا : واللّه لئن امرتنا ان نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا « 2 » . ثمّ أمر سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وآله نهيهم عن هذا القسم بقوله : قُلْ لهم يا محمّد لا تُقْسِمُوا على ما تقولون غدرا ونفاقا ، فانّ المطلوب منكم طاعَةٌ للرسول مَعْرُوفَةٌ لكلّ أحد بالأفعال والإخلاص وصدق النيّة ، لا اليمين الكاذبة . أو المعنى طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدّقون فيه ، أو المعنى دعوا القسم فانّ عليكم طاعة معروفة فتمسّكوا بها ، أو طاعتكم طاعة نفاقية فانّها معروفة منكم لكلّ أحد إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الغدر والنفاق لا يخفى عليه سرائركم ، وإنّه فاضحكم ومجازيكم على نفاقكم . [ سورة النور ( 24 ) : آية 54 ] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) ثمّ بالغ سبحانه في وجوب طاعته وطاعة رسوله بقوله : قُلْ : يا محمّد لهؤلاء المنافقين أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في جميع الفرائض والسنن من صميم القلب وصدق الإيمان برجاء الفوز والفلاح . ثمّ صرف سبحانه الكلام عن الغيبة إلى الخطاب إبلاغا في تبكيتهم بقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا وتعرضوا عن الطاعة الحقيقية للّه والرسول فَإِنَّما عَلَيْهِ صلّى اللّه عليه وآله ما حُمِّلَ وكلّف به من تبليغ الرسالة وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وكلّفتم من الإجابة والطاعة ، فإن لا تطيعوه فقد بقيتم تحت هذا الحمل والثقل ، وبقيت عليكم تبعاته وَإِنْ تُطِيعُوهُ في ما أمركم به تَهْتَدُوا إلى جميع الخيرات الأبدية التي هي أقصى المطالب ، وتخلّصوا من الشرور والمهالك وَما عَلَى الرَّسُولِ المكرم إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ والتبليغ الواضح الموضّح لجميع ما تحتاجون إليه ، وقد فعل وليس عليه إجباركم على الطاعة ، وإنّما بقي ما حمّلتم ، فان أدّيتم فلكم ، وإن تولّيتهم فعليكم .
--> ( 1 ) . الكشاف 3 : 250 ، تفسير روح البيان 6 : 171 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 23 .