الشيخ محمد النهاوندي
444
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان حسن حال المؤمنين ، وأنّهم في الدنيا في النور ، وفي الآخرة في النعيم والسرور ، بيّن سوء حال الكفّار في الدارين بقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ورسوله أَعْمالُهُمْ الخيرية كصلة الأرحام وإطعام الطعام وأمثالهما ممّا لو قارنه الايمان كان لهم أجرا عظيما عند اللّه يكون كَسَرابٍ وسبخة تلمع الشمس عليها عند الظهيرة ، فيرى أنّها ماء جار بِقِيعَةٍ وأرض منبسطة مستوية يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ويتوهّمه العطشان إذا رآه من البعيد ماءً جاريا ، ويسعى في الوصول إليه حَتَّى إِذا قرب منه و جاءَهُ طامعا لرفع العطش به لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً قابلا للشّرب والانتفاع به ، فيخيب رجاؤه ، كذلك الكافر يعمل عمل البرّ في الدنيا [ و ] يطمع الانتفاع به في الآخرة ، ثمّ إذا وافى عرصات القيامة وجد ما عمل هباء منثورا ، لا يكون له فيه نفع وثواب ، بل حاله أسوأ من الظمآن الذي قصارى أمره الخيبة ، فانّ الكافر الخائب خيبته أعظم من خيبة الظمآن ، ومع ذلك وَوَجَدَ اللَّهَ ورأى عقابه الشديد ، أو وجد زبانية اللّه عِنْدَهُ فانقلب ظنّ الانتفاع به بيقين الضرر العظيم فيه لكفره ، فتعظم حسرته ، ويتناهى غمّه وكربته فَوَفَّاهُ اللّه وأعطاه بنحو الكمال حِسابَهُ وجزاءه بلا ريث وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ وإنّما أفرد سبحانه الضميرين الراجعين إلى الكفار والضمير الراجع إلى أعمالهم للحمل على إرادة كلّ واحد منهم ومنها . قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة ، فانّه كان قد تعبّد في الجاهلية ، ولبس المسوح « 1 » ، والتمس الدين ، فلما جاء الاسلام كفر « 2 » . ثمّ ضرب سبحانه مثلا آخر لأعمالهم الفاسدة بقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ كائنة فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وبعيد القعر حين يَغْشاهُ ويستره مَوْجٌ عظيم مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ عظيم آخر ، فلمّا تراكمت الأمواج ارتفع على الموج الأعلى وحدث مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ غليظ ظلماني ساتر أضواء النجوم ، فتحصل بسبب ظلمة البحر العميق وظلمة الأمواج المتراكمة ظلمة السّحاب ظُلُماتٌ عديدة متكاثفة بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فتشتدّ الظّلمة بحيث إنه إِذا أَخْرَجَ المبتلى بها يَدَهُ من جيبه وقرّبها من عينيه لَمْ يَكَدْ يَراها فضلا من أن يراها مع كونها أقرب شيء منه ، وكذا لا يمكن أن يرى الكافر المبتلى بظلمة الكفر وظلمة الأخلاق السيئة وظلمة حبّ الدنيا عمله . قيل : إنّ المثل الأول لأعمالهم الحسنة ، والثاني لأعمالهم القبيحة « 3 » .
--> ( 1 ) . المسوح : جمع مسح ، وهو كساء من شعر . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 8 ، تفسير البيضاوي 2 : 126 ، تفسير أبي السعود 6 : 181 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 8 .