الشيخ محمد النهاوندي

394

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ سلّى سبحانه قلبه الشريف بقوله : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ جنابك به من الجنون والشّعر والكهانة فنجازيهم أسوأ الجزاء . ثمّ لمّا كان الطيش وقلّة الصبر من الشيطان ، أمره بالاستعاذة منه بقوله : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ووساوسهم المغوية على خلاف رضاك وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ من أَنْ يَحْضُرُونِ عندي ويحومون حولي في حال الغضب والرضا والشدّة والرّجاء وغيرهما . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه كان عند استفتاح الصلاة يقول : « لا إله إلّا اللّه » ثلاثا ، « واللّه أكبر » ثلاثا ، و « اللهمّ إني أعوذ بك من همزات الشياطين ولمّها « 1 » ونفثها ونفخها ، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون » « 2 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 99 إلى 100 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) ثمّ هدّد المشركين على استمرارهم في وصف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بما ليس فيه بقوله : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وعاين أحوال البرزخ قالَ تحسّرا على ما فرّط فيه من الايمان والعمل الصالح : يا رَبِّ ارْجِعُونِ إلى الدنيا لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ وفي زمان قصّرت في الايمان والعمل من أيام عمري في الدنيا . قيل : إن خطاب اللّه بلفظ الجمع للتعظيم « 3 » . وقيل : إنّ ذكر الربّ قسم « 4 » ، وخطاب ارْجِعُونِ للملائكة ، والظاهر أنّ المراد من ( أحدهم ) الكفّار . وقيل : إنّه يعمّ المؤمنين المقصّرين « 5 » . عن الضحاك قال : كنت جالسا عند ابن عباس ، فقال : من لم يزكّ ولم يحجّ سأل الرجعة عند الموت ، [ فقال ابن عباس رضى اللّه عنه : أنا أقرأ عليك به قرآنا ] فيقول : رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ « 6 » . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إذا حضر الانسان الموت جمع كلّ شيء كان يمنعه من حقّه بين يديه ، فعنده يقول : رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » « 7 » .

--> ( 1 ) . في تفسير روح البيان : الشياطين من همزها . وفي تفسير الرازي : الشياطين همزه ونفثه ونفخه . ( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 119 ، تفسير روح البيان 6 : 104 . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 23 : 120 ، تفسير روح البيان 6 : 105 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 106 . ( 6 ) . المنافقون : 63 / 10 . ( 7 ) . تفسير الرازي 23 : 119 .