الشيخ محمد النهاوندي

34

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بشرا ، أو خصوص الرسول الظاهر ، وتخصيص عموم النفي بالأدلة الدالة على حجيّة الأحكام العقلية بما إذا لم يحكم العقل بالوجوب أو الحرمة . وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون مدلول الآية نفي الظلم عن ذاته المقدسة ، وقبح العقاب بلا بيان ، فيكون دليلا على البراءة عند الشكّ في التكليف وعدم وجدان الحجّة عليه . وما قيل : من أنّ المراد بالعذاب في الآية العذاب الدنيوي ، والمقصود من قاعدة البراءة نفي العذاب مطلقا دنيويا كان أم أخرويا ، ونفي العذاب الدنيوي لا يدلّ على نفي العذاب الأخروي منه إلّا بالفحوى ، وهو ممنوع . فيه : أن قوله تعالى : ما كُنَّا دالّ على تنزيه ذاته المقدسة من ارتكاب هذا الفعل لقبحه وعدم لياقته بمقام حكمته وألوهيته ، ولا يتفاوت في ذلك بين كون العذاب دنيويا أو أخرويا . ثمّ لا يخفى أنّ نفي العذاب إلى الغاية لا يدلّ على وقوعه بعدها وإن لم يتحقّق عصيان كما توهّم ، بل الظاهر أنّه بيان كون البعث من شرائط صحة العذاب إذا وجد مقتضية وارتفعت موانعه من التوبة والشفاعة وأمثالهما . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) ثمّ بيّن اللّه أنّ العذاب الدنيوي لا يكون إلّا بعد كمال الاستحقاق بالطغيان بقوله : وَإِذا أَرَدْنا وعزمنا على أَنْ نُهْلِكَ ونعدم قَرْيَةً من القرى ونعذّب أهلها بعذاب الاستئصال ، لخبث ذاتهم وسوء أخلاقهم أَمَرْنا بتوسط الرسول مُتْرَفِيها وجبابرتها والمتنعّمين من أهلها ورؤوسها المتّبعين فيهم بالطاعة والتسليم لأحكامنا . وقيل : إنّ المراد أكثرنا مترفيها وفسّاقها وطغاتها « 1 » ، أو المراد : إذا أردنا أن نهلك قرية بسبب عصيان أهلها ، لا نعاجلهم بالعقوبة ، بل أمرناهم بالرجوع عن العصيان والتوبة عن السيئات « 2 » ، أو المراد من الأمر تسبيب أسباب الفسق من توفير النعم وتهيئة المرغّبات إلى العصيان وما يفضيهم إليه « 3 » . فَفَسَقُوا وتمرّدوا وخرجوا عن طاعتنا فِيها وتبعهم سائر أهلها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ وثبتت

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 175 . ( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 176 . ( 3 ) . تفسير الرازي 20 : 175 ، 176 .