الشيخ محمد النهاوندي
31
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لِتَبْتَغُوا وتطلبوا في ضوئها فَضْلًا ورزقا مقدّرا مِنْ رَبِّكُمْ بمقتضى ربوبيته لكم وَلِتَعْلَمُوا بتعاقبهما عَدَدَ السِّنِينَ المتوقّف عليه صلاحكم وَالْحِسابَ الراجع إلى الدقائق والساعات والأيام والشهور ، كما جعل القرآن مبصرا ، يرى بنوره كلّ ما تحتاجون إليه من مصالح الدين والدنيا ، لتبتغوا فضلا كثيرا من ربّكم في الدنيا والآخرة وَكُلَّ شَيْءٍ ممّا تحتاجون إليه في المعاش والمعاد فَصَّلْناهُ وبيّناه في القرآن تَفْصِيلًا وأضحا وتبيينا بليغا وافيا . وقيل : إنّ وجه النّظم أنّ هذا القرآن سبب هداية جميع الناس إلى أحسن الأديان ، وكان التوحيد من أهمّ العقائد ، شرع في الاستدلال عليه بقوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ الآية . وقيل : إن الوجه أنه تعالى بعد ذكر منّته على الخلق بإعطائهم نعمة القرآن الذي هو أتمّ النعم الدينية ، ذكر منّته عليهم بإعطائهم النعمة العظيمة الدنيوية ، وهي اختلاف الليل والنهار ، لتشابه النّعمتين ، أو أنّ القرآن كما هو مركّب من المحكم والمتشابه ، كذلك الدهر مركّب من الليل والنهار ، فالمتشابه هو الليل ، والمحكم هو النهار ، وكما أنّ الغرض من التكليف لا يتمّ إلّا بوجود المحكم والمتشابه ، كذلك الانتفاع بالوقت والزمان لا يكمل إلّا بوجود الليل والنهار « 1 » . وقيل : إنّ المراد بآية الليل القمر ، وبآية النهار الشمس ، ومحو القمر انتقاصه قليلا قليلا إلى المحاق « 2 » . وقيل : محوه : الكلف : الذي يظهر في وجهه « 3 » . روت العامة أنّ الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل اللّه جبرئيل فأمرّ جناحه على وجه القمر ، فطمس عنه الضوء « 4 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام في ( النهج ) : « وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها آية ممحوّة من ليلها ، وأجراهما وقدّر مسيرهما في تدرّج مدرجهما « 5 » ، ليميّز بين الليل والنهار بهما ، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما » « 6 » . وفي ( العلل ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه سئل : ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور ؟ قال : « لمّا خلقهما اللّه عز وجل أطاعا ولم يعصيا شيئا ، فأمر اللّه جبرئيل أن يمحو ضوء القمر ، فمحاه فأثر المحو في القمر خطوطا سوداء ، ولو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشمس ولم يمح ، لما عرف الليل من النهار ، ولا النهار من الليل ، ولا علم الصائم كم يصوم ، ولا عرف الناس عدد السنين ، وذلك
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 163 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 20 : 164 . ( 5 ) . في المصدر : وأجراهما في مناقل مجراهما ، وقدر سيرهما في مدارج درجهما . ( 6 ) . نهج البلاغة : 128 - الخطبة 91 ، تفسير الصافي 3 : 181 .