الشيخ محمد النهاوندي
22
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فقالوا : يا محمّد ، إنّ هاهنا من دخل بيت المقدس ، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه ، فجاء جبرئيل فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه ، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه ، فلمّا أخبرهم قالوا : حتى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : تصديق ذلك أنّ العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس ، يقدمها جمل أورق « 1 » فلمّا كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ، ويقولون : هذه الشمس تطلع الساعة ، فبيناهم كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق ، فسألوهم عمّا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقالوا : لقد كان هذا ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أهريق الماء ، فلم يزدهم إلّا عتوّا » « 2 » . روت العامة : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لمّا رجع من ليلته قصّ القصّة على امّ هانئ ، وقال : « إنّي أريد أن أخرج إلى قريش وأخبرهم بذلك » . فقالت : أنشدك باللّه يا بن عمّ أن لا تحدّث بهذا قريشا فيكذّبك من صدّقك . فلمّا كان الغداة تعلّقت بردائه ، فضرب يده على ردائه فانتزعه من يدها ، وانتهى إلى نفر من قريش في الحطيم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود ، وأولئك النفر : مطعم بن عديّ ، وأبو جهل بن هشام ، والوليد بن المغيرة . فقال : « إنّي صلّيت العشاء في هذا المسجد ، وصلّيت به الغداة ، وأتيت فيما بين ذلك بيت المقدس » وأخبرهم عمّا رأى في السماء من العجائب ، وأنّه لقي الأنبياء ، وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى « 3 » . وروي أنه لمّا دخل المسجد الحرام ، وعرف أنّ الناس يكذّبونه ، وما أحبّ أن يكتم ما هو دليل على قدرة اللّه ، وعلوّ مقامه الباعث على اتّباعه ، قعد حزينا ، فمرّ به أبو جهل ، فجاء حتى جلس إليه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال كالمستهزئ : هل كان من شيء ؟ قال : « نعم أسري بي الليلة » . قال : إلى أين ؟ قال : « إلى بيت المقدس » قال : ثمّ أصبحت بين ظهرانينا ؟ ! قال : « نعم » . قال : أرأيت أن دعوت قومك تحدّثهم بما حدّثتني ؟ قال : « نعم » . قال : يا معشر كعب بن لؤي ، فانفضّت إليه المجالس وجاءوا حتّى جلسوا إليهما ، فقال : « إنّي أسري بي » . قالوا : إلى أين ؟ قال : « إلى بيت المقدس ، فنشر لي الأنبياء وصلّيت به وكلّمتهم » . فقال أبو جهل كالمستهزئ : صفهم لنا . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أمّا عيسى ففوق الرّبعة « 4 » دون الطويل عريض الصدر جاعد الشعر » [ أي في شعره تثنّي وتكسّر ] « تعلوه صهبة » أي [ يعلو شعره شقرة « ظاهر الدم » أي يعلوه ] حمرة « كأنّما خرج من ديماس » أي حمام « أمّا موسى فضخم آدم » أي أسمر طويل « كأنّه رجال شنوءة » وهم طائفة من اليمن معروفون بالطول « كثير الشعر ، غائر العينين ، متراكم الأسنان ،
--> ( 1 ) . الأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد . ( 2 ) . أمالي الصدوق : 533 / 719 ، تفسير الصافي 3 : 176 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 125 . ( 4 ) . الرّبعة : الوسيط القامة .