الشيخ محمد النهاوندي
17
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يدعو لهم بما تسمع منه منذ خلقه ، وملكان يناديان في السماء ؛ أحدهما يقول : اللهمّ أعط كلّ منفق خلفا ، والآخر يقول : اللهمّ أعط كلّ ممسك تلفا . ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل « 1 » ، يقرض اللحم من جنوبهم ويلقى في أفواههم ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الهمّازون اللمّازون . ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ رؤوسهم بالصخر ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين ينامون عن صلاة العشاء . ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النار في أفواههم وتخرج من أدبارهم . فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ، إنّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا . ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ، فإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا ، ويقولون : ربّنا متى تقوم الساعة ؟ قال : ثمّ مضيت فإذا أنا بنسوان معلّقات بثديهنّ ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء اللواتي يورثن أموال أزواجهنّ أولاد غيرهم . ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اشتدّ غضب اللّه على امرأة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم ، فاطّلع على عوراتهم وأكل خزائنهم . قال : ثم مررت بملائكة من ملائكة اللّه عزّ وجلّ خلقهم كيف شاء ، ووضع وجوههم كيف شاء ، ليس شيء من أطباق أجسادهم إلّا وهو يسبّح اللّه ويحمده من كلّ ناحية بأصوات مختلفة ، أصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية اللّه ، فسألت جبرئيل عنهم ، فقال : كما ترى خلقوا ، إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ ، وما رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها ، ولا خفضوها إلى ما تحتها خوفا من اللّه وخشوعا ، فسلّمت عليهم فردّوا عليّ إيماء برؤوسهم لا ينظرون إليّ من الخشوع . فقال لهم جبرئيل ، هذا محمّد نبي الرحمة ، أرسله اللّه إلى عباده رسولا نبيا ، وهو خاتم الأنبياء وسيّدهم ، أفلا تكلّمونه [ قال : ] فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا عليّ بالسلام ، وأكرموني ، وبشّروني بالخير لي ولامّتي . قال : ثمّ صعدنا إلى السماء الثانية ، فإذا فيها رجلان متشابهان ، فقلت : من هذان يا جبرئيل ؟ قال : أبنا الخالة يحيى وعيسى ، فسلّمت عليهما وسلّما عليّ ، واستغفرت لهما واستغفرا لي ، وقالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبيّ الصالح ، وإذا فيها من الملائكة [ مثل ما في السماء الأولى ] وعليهم الخشوع ، وقد
--> ( 1 ) . المشفر للبعير بمثابة الشّفة للانسان .