الشيخ محمد النهاوندي
59
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أنّه تعالى بعد حصر المؤمنين الكمّلين بالواجدين لتلك الصّفات والأعمال ، أكّده بقوله : أُولئِكَ الموصوفون بالصّفات الجليلة المذكورة هُمُ : بالخصوص الْمُؤْمِنُونَ إيمانا حَقًّا ثابتا لا يشوبه شرك جليّ ولا خفيّ ؛ لإحاطة نور الإيمان بقلوبهم وجوارحهم ، وظهور آثاره من بواطنهم وظواهرهم . ثمّ بيّن سبحانه اختصاصهم بغاية الكرامة عنده بقوله : لَهُمْ دَرَجاتٌ رفيعة من الكرامة والشّرف عِنْدَ رَبِّهِمْ في الدّنيا والآخرة ، وَ لهم مَغْفِرَةٌ وستر ، أي ستر لذنوبهم وزلّاتهم وَرِزْقٌ واسع هنيء كَرِيمٌ لا انقطاع له ، ولا تعب ، ولا كدورة فيه في البرزخ والآخرة . عن القمّي رحمه اللّه : نزلت في أمير المؤمنين ، وأبي ذرّ ، وسلمان ، ومقداد « 1 » . وفي ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : « بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة ، وبالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه ، وبالنّقصان دخل المفرّطون النّار » « 2 » . ثمّ أنّه روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلّة المسلمين قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا ، ليرغّبهم في القتال ، فلمّا انهزم المشركون قال سعد بن عبادة : يا رسول اللّه ، إنّ جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم ولم يتأخّروا عن القتال جبنا ولا بخلا ببذل مهجهم ، ولكنّهم أشفقوا عليك من أن تغتال ، فمتى أعطيت هؤلاء ما سمّيته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء ، فأنزل اللّه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ . . . « 3 » ففوّض اللّه أمر الغنيمة إلى رسوله يصنع فيها ما يشاء ، فأمسك المسلمون عن الطّلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة « 4 » . وكذلك حين خرج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة ، فشبّه سبحانه كراهتهم اختصاص الأنفال بالرّسول بكراهتهم خروج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله إلى قتال بدر بقوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ الذي كنت فيه بالمدينة ، أو من المدينة التي هي دار هجرتك إلى قتال بدر إخراجا مقرونا بِالْحَقِّ والحكمة والصّلاح وَ الحال إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بك لَكارِهُونَ خروجك ، فكما أنّ كراهتهم لخروجك كانت لما هو خير لهم ، كذلك كراهتهم اختصاصك بالغنيمة تكون كراهة ما فيه خيرهم . وقيل : إنّ المعنى : أنّ الموصوفين بتلك الصّفات هم المؤمنون حقّا ، كما أنّ حكم اللّه بخروجك من بيتك إلى القتال حقّ . قيل : إن جبرئيل أتاه وأمره بالخروج .
--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 255 ، تفسير الصافي 2 : 268 . ( 2 ) . الكافي 2 : 31 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 268 . ( 3 ) . الأنفال : 8 / 1 . ( 4 ) . تفسير الرازي 15 : 125 .