الشيخ محمد النهاوندي
42
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعن القمّي : أنّ قريشا بعثت العاص بن وائل السّهمي ، والنّضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط إلى نجران ، ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان فيها : سلوا محمّدا متى تقوم الساعة ، فإن ادّعى علم ذلك فهو كاذب ، فإنّ قيام السّاعة لم يطلع اللّه عليه ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا ، فلمّا سألوه نزلت « 1 » . قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي استأثر به ، لم يطلع عليه أحدا من خلقه وإن كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا لا يُجَلِّيها ولا يظهرها لِوَقْتِها وفي زمانها أحد إِلَّا هُوَ تعالى شأنه ، وإنّما يعلمها غيره تعالى حين وقوعها ، فإذا وقعت ثَقُلَتْ وعظمت فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على أهلهما من الملائكة والجنّ والإنس ، لشدّة أهوالها ، وعظم ما فيها من الشدائد . وقيل : لأنّ فيها فناءهم وهلاكهم . وقيل : ثقيل على قلوبهم لأنّهم يعلمون أنّهم يصيرون فيها إلى البعث والحساب والسّؤال « 2 » . وقيل : ثقلت وقعتها على السّماوات ؛ لأنّ عندها تشقّقت السّماوات ، وتكوّرت الشّمس والقمر ، وانتثرت النّجوم ، وثقلت على الأرض ؛ لأنّ فيها تبدّل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار « 3 » . وقيل : يعني خفيت في السّماوات والأرض ؛ أي لا يعلم أحد من الملائكة الأقربين والأنبياء المرسلين متى يكون وقوعها « 4 » . ثمّ أنّه أكّد سبحانه خفاءها على غيره بقوله : لا تَأْتِيكُمْ أيّها النّاس إِلَّا بَغْتَةً وفجأة وعلى حين غفلة . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « إنّ السّاعة تفجأ النّاس ، فالرّجل يصلح موضعه ، والرّجل يسقي ماشيته ، والرّجل يقوم بسلعته في سوقه ، والرّجل يخفض ميزانه ويرفعه » « 5 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « والذي نفس محمّد بيده ، لتّقومنّ السّاعة وإنّ الرّجل ليرفع اللّقمة إلى فيه حتى تحول السّاعة بينه وبين ذلك » « 6 » . ثمّ أشار سبحانه إلى علّة سؤالهم بقوله : يَسْئَلُونَكَ عن السّاعة كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ومبالغ في السؤال عَنْها شديد الطلّب لمعرفتها حتّى علمتها ، أو كأنّك بارّ لطيف بهم بحيث لا تمنعهم من علمها . ثمّ بالغ تعالى في جهل غيره بها بقوله : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لم يعلم بها أحدا من خلقه
--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 249 ، تفسير الصافي 2 : 258 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 15 : 81 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 15 : 81 .