الشيخ محمد النهاوندي

40

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

العصاة خفية وغفلة منهم مَتِينٌ قويّ بحيث لا يقدرون على دفعه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 184 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذمّ الكفّار بغاية الغفلة وعدم الشّعور ، وبّخهم على ترك التفكّر في كمال عقل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الذي هو كالشمس في رائعة « 1 » النّهار ؛ بقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا قيل : إنّ التّقدير : أكذّبوا ولم يتفكّروا في البراهين العقلية التي يقيمها محمّد صلّى اللّه عليه وآله على صحّة دعواه ، والعلوم التي تظهر منه ببيان يعجز عن مثله مهرة الفصاحة والبلاغة ، ومعجزاته القاهرة ، وحسن خلقه ، وطيب عشرته ، ونقاوة سيرته ، ومتانة آرائه ، وغاية أمانته ، حتّى يعلموا أنّه ما بِصاحِبِهِمْ ونبيّهم الذي نشأ فيهم ، شيء وشائبة مِنْ جِنَّةٍ واختلال عقل ، لا متناع أن يكون المتّصف بتلك الصّفات ناقص العقل فضلا عن فاقده ، بل هو قدوة عقلاء العالم . قيل : إنّ كفّار قريش لمّا رأوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله معرضا عن الدّنيا ، مقبلا إلى الآخرة ، مبالغا في الدّعوة إلى التّوحيد ، متغيّرا لونه عند نزول الوحي عليه ، نسبوه إلى الجنون ، فردّهم اللّه بقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لكم ولأهل العالم ، ومن شأنه أن يكون بتلك الصّفات مُبِينٌ ومبالغ في الإنذار ، مظهر له غاية الإظهار . روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان كثيرا ما يحذّر قريشا عقوبة اللّه ووقائعه النّازلة في الأمم الماضية ، فقام ليلا على الصّفا وجعل يدعوهم إلى عبادة اللّه تعالى قبيلة قبيلة : يا بني فلان ، إلى الصّباح ، يحذّرهم بأس اللّه ، فقال قائلهم : إنّ صاحبكم هذا - يعني محمّدا - لمجنون ، بات يهوّت « 2 » إلى الصّباح « 3 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 185 ] أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) ثمّ أنّه تعالى بعد توبيخهم على عدم التفكّر في حال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى يعلّموا صدقه ، وبخهم على ترك النّظر والتأمّل في شواهد التّوحيد بقوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا قيل : إنّ التّقدير : أكذبوا محمّدا صلّى اللّه عليه وآله في دعوته إلى التّوحيد ، ولم ينظروا بنظر الاعتبار فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولم يتأمّلوا في مملكة اللّه الوسيعة ، وآثار قدرته وحكمته ووحدانيّته الظّاهرة فيها ، وَ في ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وموجود حقير أو جليل ، صغير أو عظيم ، حتّى يطّلعوا على غاية عظمته وقدرته وتوحيده .

--> ( 1 ) . في النسخة : رابعة . ( 2 ) . هوّت به : صاح . ( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 289 .