الشيخ محمد النهاوندي

17

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

لأوامره ونواهيه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى خير ، وتسعدون في الدّنيا والآخرة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 159 ] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 ) ثمّ بين سبحانه حسن اتّباع طائفة من بني إسرائيل لدين موسى عليه السّلام ترغيبا لامّة خاتم النبيّين صلّى اللّه عليه وآله في اتّباعه بقوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ وجماعة مهتدون يتّبعون موسى عليه السّلام ، وهم مع اهتدائهم في أنفسهم يَهْدُونَ غيرهم من سائر النّاس بِالْحَقِّ وبكتابه النّاطق به إلى الحقّ ، والدّين المرضيّ عند اللّه وَبِهِ يَعْدِلُونَ في الأحكام الجارية بينهم . قيل : إنّ الأشهر بين المفسّرين أنّ هذه الامّة قوم من بني إسرائيل وراء الصّين بأقصى المشرق ، وذلك أنّ بني إسرائيل لمّا بالغوا في العتوّ والطّغيان بعد وفاة موسى عليه السّلام وخليفته يوشع حتى اجترأوا على قتل الأنبياء ، ووقع الهرج والمرج ، تبرّأ سبط منهم ممّا صنعوا واعتذروا ، وسألوا اللّه تعالى أن يفرّق بينهم وبين أولئك الطّاغين ، ففتح اللّه لهم - وهم في بيت المقدس - نفقا في الأرض ، وجعل أمامهم المصابيح فساروا ومعهم نهر من ماء يجري ، وأجرى اللّه عليهم أرزاقهم ، فساروا فيه على هذا الوجه سنة ونصف سنة حتّى خرجوا من وراء الصين [ إلى أرض ] بأقصى المشرق طاهرة طيبة فنزلوها ، وهم مختلطون بالسّباع والوحوش والهوام لا يضرّ بعضهم بعضا ، وهو متمسّكون بالتّوراة مشتاقون إلى الإسلام ، لا يعصون اللّه طرفة عين أبدا ، تصافحهم الملائكة ، وهم في منقطع من الأرض لا يصل إليهم أحد منّا ولا أحد منهم إلينا ؛ إمّا لأنّ بينهم وبين الصّين واديا جاريا من رمل يمنع النّاس من إتيانهم ، كما عن ابن عبّاس . أو نهرا من شهد ، كما عن السدّي . فانّهم كبني أب واحد ليس لأحد [ منهم ] مال دون صاحبه ، يمطرون باللّيل ويضحون « 1 » بالنّهار ، ويزرعون ويحصدون جميعا فيضعون الحاصل في أماكن من القرية ، فيأخذ كلّ منهم قدر حاجته ويدع الباقي « 2 » . روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال لجبرئيل ليلة المعراج : « إنّي أحبّ أن أرى القوم الّذين أثنى اللّه عليهم بقوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » . فقال : إن بينك وبينهم مسيرة ستّ سنين ذهابا ، وستّ سنين إيابا ، ولكن سل ربّك حتّى يأذن لك ، فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأمّن جبرئيل ، فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل أنّه أجيب إلى ما سأل ، فركب البراق فخطا خطوات فإذا هو بين أظهر القوم ، فسلّم عليهم وردّوا عليه سلامه ، وسألوه : من أنت ؟ فقال : « أنا النبيّ الأمّي » ، قالوا : أنت الذي بشّر بك موسى

--> ( 1 ) . ضحى يضحو : برز للشمس ، ضحى يضحى : أصابه حرّ الشمس . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 259 .