الشيخ محمد النهاوندي
66
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ومن يحيا منّا كان مجاهدا في سبيل اللّه « 1 » ، اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب « 2 » لئلّا يظنّوا أنّا خفناهم . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّي قد رأيت في منامي بقرة « 3 » تذبح حولي ، فأوّلتها خيرا ، ورأيت في ذباب « 4 » سيفي ثلما ، فأوّلته هزيمة ، ورأيت كأنّي أدخلت يدي في درع حصينة ، فأوّلتها المدينة ، فإن رأيتم [ أن ] تقيموا بالمدينة وتدعوهم » . فقال قوم من المسلمين ؛ من الّذين فاتتهم بدر ، وأكرمهم اللّه بالشّهادة يوم أحد : اخرج بنا إلى أعدائنا . فلم يزالوا به حتّى دخل بيته ولبس لامته ، فلمّا لبس ندم القوم وقالوا : بئسما صنعنا ، نشير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والوحي يأتيه ، فقالوا له : اصنع يا رسول اللّه ما رأيت ، فقال : « لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتّى يقاتل » « 5 » . وفي رواية القمّي رحمه اللّه : وخرج صلّى اللّه عليه وآله مع نفر من أصحابه يتبوّأون « 6 » موضع القتال « 7 » . في نقل كلام الفخر في طهارة عائشة وردّه قال الفخر الرازي في تفسيره : يروى أنّه صلّى اللّه عليه وآله غدا من منزل عائشة ، فمشى على رجليه إلى أحد . وهذا قول مجاهد والواقدي ، فدلّ هذا النصّ على أن عائشة كانت أهلا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وقال تعالى : الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ « 8 » ، فدلّ هذا النصّ على أنّها كانت مطهّرة مبرّأة من كلّ قبيح . ألا ترى أنّ ولد نوح لمّا كان كافرا قال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ « 9 » وكذا امرأة لوط ؟ « 10 » . أقول : في كلامه خلل لا يكاد يخفى على عاقل ، فضلا عن فاضل ، فإنّ إطلاق ( الأهل ) على عائشة - على تقدير إرادتها منه - غير مشعر أصلا بكمال وشرف لها زائدا على شرف الانتساب إليه صلّى اللّه عليه وآله ؛ كما كان هذا الشّرف لزوجة نوح ولوط ، بل الإشعار فيه بإسلامها ، لوضوح أنّ الزّوجة - في اللّغة والعرف - أحد المصاديق الحقيقية للأهل . ومن الواضح أنّ اللّه تعالى أطلق اسم الأهل على زوجة لوط ، حيث قال : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فلو لم تكن زوجته داخلة في ( الأهل ) لم يصحّ الاستثناء بقوله : إِلَّا امْرَأَتَكَ « 11 » فصحّة الاستثناء دليل على شمول لفظ ( الأهل ) لها حقيقة ، وإخراجها منه حكما . وكذا أطلق نوح اسم الأهل على ابنه بقوله : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي « 12 » مع علمه بكفره .
--> ( 1 ) . تفسير القمّي 1 : 111 . ( 2 ) . الأكلب : جمع كلب . ( 3 ) . في تفسير الرازي : بقرا . ( 4 ) . ذباب السيف : حدّ طرفيه . ( 5 ) . تفسير الرازي 8 : 205 . ( 6 ) . في تفسير القمي : يبتغون . ( 7 ) . تفسير القمي 1 : 111 . ( 8 ) . النور : 24 / 26 . ( 9 ) . هود : 11 / 46 . ( 10 ) . تفسير الرازي 8 : 206 . ( 11 ) . هود : 11 / 81 . ( 12 ) . هود : 11 / 45 .