الشيخ محمد النهاوندي
63
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والحلف « 1 » . والظّاهر أنّ المراد النّهي عن موالاة عموم الكفّار ، وإن كان مورد النّزول خاصّا . ثمّ لمّا كان الإخبار بالضمائر والأسرار إخبارا بالمغيّبات ، الخارج عن طوق البشر ، ومتوقّفا على الوحي ، نبّه اللّه سبحانه على كون هذا الإخبار من علائم صدق النّبوّة ، بقوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ أيّها المؤمنون الْآياتِ الدّالّة على صدق محمّد في دعواه إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتعدّون من زمرة أهل الفهم والإدراك . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 119 ] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) ثمّ أنّه تعالى بعد تنبيه المؤمنين على خطئهم في اعتقاد النّصح في اليهود ، بالغ في الرّدع عن موالاتهم بقوله : ها أيّها المؤمنون وتنبّهوا أَنْتُمْ أُولاءِ المشتبهون فيهم ، حيث إنّكم تُحِبُّونَهُمْ بتخيّل أنّهم يحبّونكم ، وَ الحال أنّهم لا يُحِبُّونَكُمْ ولا يريدون خيركم وصلاح حالكم ، وَ أنتم تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ المنزل من اللّه كُلِّهِ [ سواء ] كان هو التّوراة والإنجيل ، أو القرآن ، وتعتقدون أنّ جميعها حقّ ، وهم لتصلّبهم في دينهم لا يؤمنون بكتابكم . قيل : فيه توبيخ شديد بأنّهم أصلب في باطلهم منكم في حقّكم . ثمّ ذكّر اللّه تعالى من جملة الرّوادع عن مخالطتهم شدّة نفاقهم بقوله : وَإِذا لَقُوكُمْ وواجهوكم قالُوا بألسنتهم نفاقا : نحن آمَنَّا بنبيّكم وكتابكم كإيمانكم وَإِذا خَلَوْا وتفرّدوا منكم أظهروا شدّة العداوة والغيظ عليكم ، حتّى تبلغ الشدّة إلى أن عَضُّوا عَلَيْكُمُ واستمسكوا شديدا بالأسنان الْأَنامِلَ ورؤوس الأصابع مِنَ أجل الْغَيْظِ وشدّة الغضب تأسّفا وتحسّرا ، حيث لم يجدوا إلى التّشفّي سبيلا ، كما هو فعل من اشتدّ غضبه ، وعظم تحسّره على حرمانه من مطلوبه . قيل : إنّما حصل لهم هذا الغيظ الشّديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين ، واجتماع كلمتهم ، وصلاح ذات بينهم « 2 » . ثمّ أمر اللّه نبيّه بتقريعهم بقوله : قُلْ يا محمّد ، لهؤلاء الحاسدين الغائظين : مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ وأهلكوا بسبب شدّة عداوتكم وحسدكم .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 197 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 201 ، تفسير روح البيان 2 : 85 .