الشيخ محمد النهاوندي

45

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » « 1 » . أقول : مآل جميع الرّوايات واحد . ثمّ أنّه تعالى بعد أمره بالاجتماع على الحقّ ، نهى عن التفرّق عنه ، بقوله : وَلا تَفَرَّقُوا عن الحقّ كتفرّق أهل الكتاب ، ولا تختلفوا أنتم كما اختلفوا على مذاهب كثيرة . روى الفخر الرازي في تفسيره : عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « ستفترق « 2 » أمّتي على نيّف وسبعين فرقة ، النّاجي منهم واحد ، والباقي في النّار » ، فقيل : ومن هم يا رسول اللّه ؟ قال : « الجماعة » . وفي رواية : « السّواد الأعظم » . وفي أخرى : « ما أنا عليه وأصحابي » « 3 » . أقول : لا ريب أنّ ذيل الرّواية من المجعولات ، لوضوح مخالفة عليّ والمعصومين من ذرّيّته مع الجماعة ، وقد اتفّق الفريقان على رواية قوله صلّى اللّه عليه وآله : « عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ » « 4 » . وقوله : « إنّي تارك فيكم الثّقلين ؛ كتاب اللّه ، وعترتي . . . » « 5 » الخبر ، وقوله : « مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق » « 6 » . وقيل : إنّ المراد لا تفرّقوا كتفرّق أهل الجاهليّة ، يحارب بعضكم بعضا . وقيل : أي لا تحدثوا ما يوجب الافتراق ، ويزيل الألفة التي أنتم عليها « 7 » . أقول : كنصب أبي بكر للخلافة ، حيث إنّه أحدث بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله خلافا وافتراقا عظيما بين الصّحابة ، ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، مع أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أوصى باتّباع علي عليه السّلام وأهل بيته ، وجعلهم أحد الثّقلين ، وحبلا من حبلي اللّه الممدودين . ومن المسلّم بين الأمّة أنّ عليّا عليه السّلام أفضل عترته ، وأشرف أهل بيته . ثمّ لمّا كان الاعتصام بحبل اللّه من مشاقّ الأعمال ، لتوقّفه على ترك الرّئاسات ، ومخالفة الأهوية « 8 » والشّهوات ، بالغ سبحانه في التّرغيب إليه بتذكيرهم نعمه ، بقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ التي أنعمها عَلَيْكُمْ ثم لمّا كانت نعمة الأمن والاتّحاد والائتلاف من أعظم النّعم ، خصّها بالتذكير بقوله : إِذْ كُنْتُمْ في زمان الجاهليّة والأعصار المتمادية أَعْداءً متباغضين ، يقتل بعضكم بعضا ، ويغير

--> ( 1 ) . معاني الأخبار : 132 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 338 ، والآية من سورة الإسراء : 17 / 9 . ( 2 ) . في النسخة : ستفرق . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 163 . ( 4 ) . تاريخ بغداد 14 : 321 ، ترجمة علي عليه‌السلام من تاريخ دمشق 3 : 153 / 1172 . ( 5 ) . صحيح مسلم 4 : 1873 ، سنن الترمذي 5 : 662 ، مسند أحمد 3 : 14 و 17 و 4 : 367 و 371 . ( 6 ) . مستدرك الحاكم 2 : 343 و 3 : 151 ، الخصائص الكبرى 2 : 466 ، الجامع الصغير 2 : 533 . ( 7 ) . تفسير أبي السعود 2 : 66 . ( 8 ) . كذا ، والظاهر الأهواء ؛ لأن الأهوية جمع هواء ، والأهواء جمع هوى ، ومراد المصنف الأخير .