الشيخ محمد النهاوندي
43
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
اليهودي وكان شديد الحسد للمسلمين ، فغاضه ما رأى منهم من تآلف القلوب ، واتّحاد الكلمة ، واجتماع الرّأي ، بعد ما كان فيهم « 1 » من العداوة والشنآن ، فأمر شابّا يهوديا كان معه بأن يجلس إليهم ويذّكرهم يوم بعاث « 2 » - وكان ذلك يوما عظيما اقتتل فيه الحيّان ، و [ كان ] الظّفر فيه للأوس - وينشدهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل ، فتفاخر القوم وتغاضبوا حتّى تواثبوا وقالوا : السّلاح السّلاح ، فاجتمع من القبيلتين خلق كثير . فعند ذلك جاءهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه فقال : « أتدعون الجاهليّة وأنا بين أظهركم ، بعد أن أكرمكم اللّه تعالى بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر الجاهليّة ، وألّف بينكم ؟ ! » ، فعلموا أنّها نزغة من الشّيطان ، وكيد من عدوّهم ، فألقوا السّلاح واستغفروا ، وعانق بعضهم بعضا ، وانصرفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 3 » . وقال الواحدي : اصطفّوا للقتال ، فنزلت الآيات إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ « 4 » فجاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى وقف بين الصّفّين فقرأهنّ ورفع صوته ، فلمّا سمعوا صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنصتوا له ، وجعلوا يستمعون له ، فلمّا فرغ ألقوا السّلاح ، وعانق بعضهم بعضا ، وجعلوا يبكون « 5 » . فما كان أقبح أوّلا ، وأحسن آخرا من ذلك اليوم ! أقول : انظروا إلى قوّة تأثير القرآن في النّفوس ، كيف انقلبوا باستماعه من أسوأ الأحوال إلى أحسنها ! وحاصل معنى الآيتين : أنّه إن لان المؤمنون لليهود وقبلوا قولهم ، أدّى ذلك حالا بعد حال إلى أن يعودوا كفّارا ، والكفر موجب للهلاك في الدّنيا والآخرة . أمّا في الدّنيا فبوقوع العداوة والبغضاء ، وهيجان الفتن ، وثوران المحاربة المؤدّي إلى سفك الدّماء ، وتلف النّفوس . وأمّا في الآخرة فبعذاب الأبد ، ومع أنّه يكفي وجود هذه المفاسد العظيمة فيه ، الموجبة لعدم توجّه العاقل إليه ، تكون الصّوارف والزّواجر الخارجية عنه موجودة لكم ، فعند ذلك لا يتوقّع صدوره منكم ، بل لا يعقل اختياره من العاقل المختار إلّا للجهل ، واتّباع هوى النّفس ، وتأثير وساوس الشّيطان ، ولا عاصم منه إلّا الاعتصام باللّه وبرسوله ، فمن اعتصم بهما حصل له الاهتداء إلى كلّ خير ، والفوز بجميع النّعم ، وانسدّ عليه باب الضّلال ، والوقوع في المهالك . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 103 ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 103 )
--> ( 1 ) . في تفسير أبي السعود : كان بينهم ما كان . ( 2 ) . بعاث : موضع قرب يثرب ، وفيه اقتتل الأوس والخزرج في الجاهلية . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 64 . ( 4 ) . آل عمران 3 : 103 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 2 : 64 .