الشيخ محمد النهاوندي
12
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
النّصارى : يا محمّد ، ما تريد إلّا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . وعليها يكون الخطاب لأهل الكتابين . ثمّ قال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا عن سلوك طريق الإنصاف واتّباع العقل ، واستنكفوا عن قبول ما دعوتهم إليه من التّوحيد وترك الإشراك فَقُولُوا أيّها الموحّدون لأهل الكتابين : اشْهَدُوا واعترفوا بعدما لزمتكم الحجّة بِأَنَّا خاصّة مُسْلِمُونَ للّه منقادون لما دعانا إليه من التّوحيد ، وعدم الإشراك في العبادة ؛ ببيان العقل ، ولسان الرّسل . وفيه دلالة ظاهرة على أنّ أصل جميع الدّيانات هو التّوحيد ، والإخلاص في العبادة . في توقيع سيد الرسل إلى قيصر الروم روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كتب إلى قيصر الرّوم : « من محمّد رسول اللّه ، إلى هرقل عظيم الرّوم ، سلام على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد : فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين ، وإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأوليين « 2 » ، و يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً إلى قوله : فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » « 3 » . روي أنّ هرقل سأل عن حال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وعرفها ممّن جاء بكتابه ، فقال هرقل : لو كنت عنده لقبّلت قدميه ؛ لمعرفته صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بعلاماته المعلومة له من الكتب القديمة ، لكن خاف من ذهاب الرّئاسة . ثمّ أنّه كتب جواب كتابه صلّى اللّه عليه وآله : إنا نشهد أنّك نبيّ ، ولكنّا لا نستطيع أن نترك الدّين القديم الذي اصطفاه اللّه لعيسى . فعجب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : « لقد ثبت ملكهم إلى يوم القيامة أبدا » . وكتب إلى كسرى ملك فارس فمزّق كتابه ، ورجع الرّسول بعدما أراد قتله ، فدعا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : « خرّق اللّه ملكهم ، فلا ملك لهم أبدا » ، فكان كذلك « 4 » . في مبالغة النبي صلّى اللّه عليه وآله في دعوة النصارى وحسن التدّرج في الحجاج قال بعض : انظر ما روي في هذه القضيّة من المبالغة في الإرشاد ، وحسن التّدرّج في الحجاج بيّن أوّلا أحوال عيسى ، وما تعاور « 5 » عليه من الأطوار المنافية للإلاهيّة ، ثمّ ذكر كيفيّة دعوته للنّاس إلى التّوحيد والإسلام ، ثمّ ذكر ما يحلّ عقدتهم ، ويزيح شبهتهم ، فلمّا ظهر عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ، ثمّ لمّا
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 85 . ( 2 ) . في تفسير روح البيان : الاريسيّين ، وهم الخدم والخول ، أو هم عبدة النار ، أو الملوك والعشارون . انظر : مكاتيب الرسول : 105 - 107 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 46 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 46 . ( 5 ) . تعاور : أي تداول عليه .