الشيخ محمد النهاوندي

94

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

لوجه يظهر بعد تقرير قاعدة ، وهي أنّ كلا من البشر إذا وضع كتابا فإنّما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح ، وإنّما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة : أحدها : كمال فضيلة المصنّف ، فإنه لقوّته العلميّة يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز ، فربّما عسر فهم مراده ، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفيّة ، ومن هنا كان شرح بعض الأئمّة تصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له . وثانيها : إغفاله بعض تتمّات المسألة ، أو شرط « 1 » لها اعتمادا على وضوحها ، أو لأنّها من علم آخر فيحتاج إلى الشارح لبيان المحذوف ومراتبه . وثالثها : احتمال اللفظ لمعان ، كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام ، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه ، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السّهو والغلط ، أو تكرار الشيء ، أو حذف مبهم وغير ذلك ، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك . إذا تقرّر هذا فنقول : إنّ القرآن إنّما نزل بلسان عربيّ في زمان أفصح العرب ، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه ، أمّا دقائق باطنه فإنّما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم « 2 » النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الأكثر ، كسؤالهم لمّا نزل قوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ « 3 » فقالوا : وأيّنا لم يظلم نفسه ! ففسّره النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالشّرك ، واستدلّ عليه بقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 4 » ، وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير ، فقال : « ذلك العرض » ، وكقصّة عدّي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود ، وغير ذلك ممّا سألوا عن آحاد منه ، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه ، وزيادة على ذلك ممّا لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر ، لقصورنا عن مدارك أحكام اللّغة بغير تعلّم ، فنحن أشدّ النّاس احتياجا إلى التفسير ، ومعلوم أنّ تفسير بعضه يكون من قبيل [ بسط ] الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها ، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض ، انتهى « 5 » . وقال بعض آخر : علم التفسير عسير يسير ، أمّا عسره فظاهر من وجوه ، أظهرها أنّه كلام متكلّم لم نصل إلى مراده بالسماع منه ، ولا أمكن الوصول إليه ، بخلاف الأمثال والأشعار ونحوها ، فإنّ الانسان يمكن علمه به إذا تكلّم بأن يسمع منه أو ممّن سمع منه ، وأمّا القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم

--> ( 1 ) . في الاتقان : أو شروط . ( 2 ) . في النسخة : والسؤال عن ، وما أثبتناه من الإتقان . ( 3 ) . الأنعام : 6 / 82 . ( 4 ) . لقمان : 31 / 13 . ( 5 ) . الإتقان في علوم القرآن 4 : 195 .