الشيخ محمد النهاوندي
631
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقيل : إنّ عيسى عليه السّلام رفع كثيرا من أحكام التّوراة ، ولم يكن قادحا في كونه مصدّقا بالتّوراة « 1 » . عن العيّاشي : عن الصادق عليه السّلام قال : « كان بين داود وعيسى بن مريم أربعمائة سنة ، وكانت شريعة عيسى عليه السّلام أنّه بعث بالتّوحيد والإخلاص ، وبما أوصى به نوح وإبراهيم وموسى عليهم السّلام ، وانزل عليه الإنجيل ، واخذ عليه الميثاق الذي اخذ على النّبيّين ، وشرّع له في الكتاب إقام الصّلاة مع الدّين ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وتحريم الحرام وتحليل الحلال ، وانزل عليه في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود ، ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود ، ولا فرض مواريث ، وانزل [ عليه ] تخفيف ما كان [ نزل ] على موسى في التّوراة ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ في الذي قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وأمر عيسى من معه ممّن يتبعه من المؤمنين أن يؤمنوا بشريعة التّوراة والإنجيل » ( 2 ) . ثمّ أعاد قوله : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ عظيمة ، شاهدة على رسالتي ، كائنة مِنْ رَبِّكُمْ للإنجاع في القلوب ، وازدياد التّأثير في الطّباع المألوفة بالعادات . ثمّ خوّفهم بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وخافوه في تكذيبي ومخالفة أحكامي وَأَطِيعُونِ في أوامري ونواهيّ . ويحتمل أن يراد من الآية التي جاء بها قوله : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ وفيه دعوة إلى التّوحيد الخالص ، وإشعار بأنّ أوّل الكمال وأعلى الفضائل هو الحكمة النّظريّة التي غايتها معرفة اللّه بالوحدانيّة ذاتا وصفاتا وأفعالا ، وفي قوله : فَاعْبُدُوهُ دعوة إلى الكمال الثاني ، وهو الحكمة العمليّة ، وهي القيام بالطّاعة ، ووظائف العبودية . ثمّ قرّر ذلك بقوله : هذا الذي هديتكم إليه من التّوحيد والعبادة صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وطريق سويّ يوصلكم إلى محلّ القرب ، وأوج الكرامة ، ومستقرّ الرّحمة ، ونعم الجنّة . ووجه كونه آية صدقه أنّ ما دعا إليه ممّا يشهد به العقل المتين والحقّ الذي اتّفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 54 ] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 )
--> ( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 309 / 691 ، تفسير الصافي 1 : 314 .