الشيخ محمد النهاوندي

626

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّ جبرئيل بعد أن بشّرها بولادة عيسى بقوله : يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ « 1 » عطف عليه تبشيرها بكماله العلمي ، ومرتبة رسالته ، بقوله : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ السّماوي الذي نزل على آدم ومن بعده ، وقيل : المراد : الكتابة والخطّ « 2 » ، وَ يعلّمه الْحِكْمَةَ والعلوم العقليّة والشّرعيّة ، وتهذيب الأخلاق وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وإفرادهما بالذّكر بعد ذكر جنس الكتاب الشّامل لهما ، لزيادة فضلهما ، وإنافتهما على غيرهما . روي أنّ عيسى عليه السّلام حفظ التّوراة وهو في بطن امّه ، وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس في بطنها « 3 » . في بيان زهد عيسى عليه السّلام ثمّ لمّا شرّف عالم الشّهود أعطاه [ اللّه ] الزّهادة في الدّنيا ؛ فإنّه كان يلبس الشّعر ، [ و ] يتوسّد الحجر ، ويستنير القمر ، وقد كان له قدح يشرب فيه الماء ، [ ويتوضّأ ] فيه فرأى رجلا يشرب بيده . فقال لنفسه : يا عيسى ، هذا أزهد منك ، فرمى القدح وكسره . واستظلّ يوما في ظلّ خيمة عجوز ؛ وكان قد لحقه حرّ شديد ، فخرجت العجوز فطردته ، فقام وهو يضحك فقال : يا أمة اللّه ، ما أنت أقمتني ، وإنّما أقامني الذي لم يجعل لي نعيما في الدّنيا ولمّا رفع إلى السّماء ، وجد عنده إبرة كان يرقع [ بها ] ثوبه ، فاقتضت الحكمة الإلهيّة نزوله في السّماء الرّابعة « 4 » . وَ يبعثه رَسُولًا في حال الصّبا ، أو بعد البلوغ ، أو بعد ثلاثين سنة إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ حال كونه قائلا : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ يا بني إسرائيل بِآيَةٍ عظيمة ، ومعجزة باهرة ، دالّة على صدق نبوّتي ، كائنة مِنْ رَبِّكُمْ ومكمّل نفوسكم ، ومصلح أمور دنياكم وآخرتكم . قيل : إنّ أوّل أنبياء بني إسرائيل يوسف ، وآخرهم عيسى « 5 » . روي في ( الإكمال ) : عن الباقر عليه السّلام : « أنّه ارسل إلى بني إسرائيل خاصّة ، وكانت نبوّته ببيت

--> ( 1 ) . آل عمران : 3 / 45 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 54 ، تفسير روح البيان 2 : 37 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 36 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 36 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 2 : 38 ، تفسير روح البيان 2 : 37 .