الشيخ محمد النهاوندي

62

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عبد اللّه بن مسعود ، وأبيّ ابن كعب وغيرهما ، ختموا القرآن على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعا مرتّبا غير مبتور ، ولا مبثوث ، وذكر أنّ من خالف في ذلك [ من ] الإماميّة والحشويّة لا يعتدّ بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنّوا صحّتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته « 1 » . ولعمري ، إنّه رضوان اللّه عليه أبان الحقّ وأجاد ، وأتى بما فوق المراد ، وإن قال الفيض رحمه اللّه بعد نقله : لقائل أن يقول : كما أنّ الدواعي كانت متوفّرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين ، كذلك كانت متوفّرة على تغييره من المنافقين المبدّلين للوصيّة ، المغيّرين للخلافة ، لتضمّنه ما يضادّ رأيهم وهواهم « 2 » . أقول : نعم ، ولكن كان توفّر دواعيهم على التغيير ، كتوفّر دواعيهم على إطفاء نور النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وإبطال أمره ، فكما لم ينالوا بمقصودهم في أمر النبوّة لحفظ اللّه وتأييده ، وقوّة المسلمين وكثرتهم بحيث صار المنافقون بينهم كالشّامة السوداء في الثور الأبيض ، لم ينالوا من القرآن ما كان في قلوبهم من الغرض ، بل كان دون نيلهم إليه خرط القتاد . ثمّ قال الفيض رحمه اللّه : والتغيير فيه إن وقع ، فإنّما وقع قبل انتشاره في البلدان ، واستقراره على ما هو عليه الآن ، والضبط الشديد إنّما كان بعد ذلك ، فلا تنافي بينهما « 3 » . أقول : قد ثبت أنّ القرآن كان مجموعا في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وكان شدّة اهتمام المسلمين في حفظ ذلك المجموع بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وفي زمان احتمل بعض وقوع التحريف فيه ، كاهتمامهم في حفظ أنفسهم وأعراضهم ، ومن الواضح أنّه لم ينتشر الاسلام في بقاع الأرض وأقطارها إلّا بانتشار الكتاب المجيد فيها ، حيث إنّ إعجاز القرآن دعا الناس إلى الاسلام والإيمان بخاتم النبيّين صلّى اللّه عليه وآله ، بل كان نشر الكتاب وشيوعه بين النّاس أكثر من نشر الإسلام ، إذ الكفّار المعاندين للدّين ، لشدّة « 4 » إعجابهم بآيات اللّه وسور القرآن ، كانوا يحفظونها ويتلونها أكثر من حفظهم وقراءتهم لقصائد « 5 » شعراء العرب كامرىء القيس وأضرابه ، وخطب الفصحاء ، مع شيوع قوّة الحافظة في أهل ذلك العصر بحيث كان كثير منهم يحفظون الخطب الطوال بسماعها مرّة واحدة ، ولذا كانت العادة مقتضية لأن تكون كلّ آية وسورة في

--> ( 1 ) . مجمع البيان 1 : 83 ، تفسير الصافي 1 : 47 . ( 2 ) . تفسير الصافي 1 : 48 . ( 3 ) . تفسير الصافي 1 : 48 . ( 4 ) . في النسخة : بشدّة . ( 5 ) . في النسخة : من قصائد .