الشيخ محمد النهاوندي

613

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وسموّ المقام . وفي قراءة ( وضعت ) على المتكلّم ، على أنّه من كلامها ، تسلية لنفسها ، وهو مرويّ عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » . ثمّ أنّه تعالى زاد في تبيين عظمة موضعها ورفعه منزلتها ومقامها بقوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي كانت تطلبه ، وتتمنّى أنّه يكون كواحد من سدنة المسجد كَالْأُنْثى التي وهبتها لها ، في الفضيلة والشّرف والكرامة عندي . عن ( الكافي ) و ( القمي ) : عن الصادق عليه السّلام قال : « إنّ اللّه أوحى إلى عمران أنّي واهب لك ذكرا سويّا مباركا يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذني ، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل ، فحدّث عمران امرأته حنّة بذلك - وهي امّ مريم - فلمّا حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما ، فلمّا وضعتها قالت : [ ربّ ] إنّي وضعتها أنثى وليس الذّكر كالأنثى ، [ أي ] لا تكون البنت رسولا ، يقول اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ فلمّا وهب لمريم عيسى ، كان هو الذي بشّر به عمران ووعده إيّاه » « 2 » . وعنه عليه السّلام : « أنّ المحرّر يكون في الكنيسة لا يخرج منها ، فلمّا وضعتها [ أنثى ] قالت : ربّ إنّي وضعتها أنثى « 3 » وليس الذّكر كالأنثى ، إنّ الأنثى تحيض ، فتخرج من المسجد » « 4 » . وفي رواية أخرى عنه عليه السّلام : « وليس الذّكر كالأنثى في الخدمة » « 5 » . ومقتضى هذه الرّوايات أنّ الجملة المعترضة في الآية قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ فقط ، وأنّ قوله : لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى من كلام حنّة ، وهو المعطوف عليه لقوله : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ . قيل : إنّ مريم بالعبرانيّة بمعنى : العابدة أو خادمة الرّبّ ، وإنّ إظهار تسليتها بهذا الاسم لإظهار بقائها على نيّة وقفها لعبادة ربّها ؛ غير راجعة عنها ، فكأنّها قالت : إنّ هذه الأنثى ، وإن لم تكن خليقة لوقفها لخدمة المسجد وسدانة بيت المقدس ، فلتكن من العابدات فيه . وفي تصدّيها للتّسمية إشعار بموت عمران قبل ولادة مريم ؛ لأنّ مقتضى العادة أنّ الأب يتولّى تسمية الولد إذا كان حيّا « 6 » . ثمّ لمّا كانت حنّة عالمة بأنّ الشّيطان يطمع في إغواء كلّ مولود خصوصا النّساء ، قالت : وَإِنِّي

--> ( 1 ) . جوامع الجامع : 57 . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 101 ، الكافي 1 : 449 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 307 . ( 3 ) . زاد في العياشي : واللّه أعلم بما وضعت . ( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 302 / 677 ، تفسير الصافي 1 : 307 . ( 5 ) . تفسير العياشي 1 : 302 / 678 ، تفسير الصافي 1 : 307 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 2 : 27 .