الشيخ محمد النهاوندي

593

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

النّفس فيها مصفّاة والعبادة أشقّ . وعن مجاهد : في قول يعقوب عليه السّلام : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي « 1 » أخّره إلى وقت السّحر ، فإنّ الدّعاء فيه مستجاب . وقال : إنّ اللّه لا يشغله صوت عن صوت ، لكنّ الدّعاء في السّحر دعوة في الخلوة ، وهي أبعد من الرّياء والسّمعة فكانت أقرب إلى الإجابة « 2 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 18 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) ثمّ اعلم أنّه تعالى بعد جعل ذاته المقدّسة أوّلا في المحاجّة مع النّصارى ، مدّعيا لتوحيده الذّاتي والصّفاتي - وإقامة البراهين العقليّة القطعيّة عليه ، والحكم بكفر جاحديه ، وتهديدهم بالعقوبة الدّنيويّة والأخرويّة ، وتنبيه النّاس بعلّة اختيار الكفر ، من تزيين مشتهيات الدّنيا في نظرهم ، وأمر نبيّه ببشارة الموحّدين بالثّواب العظيم ، ومدحهم بالصّفات الحميدة الفائقة جعل ثانيا نبيّه مدّعيا . ثمّ أقام الشّهود الذين « 3 » لا يمكن ردّهم ، على صدق دعواه ، تأييدا للبرهان بها بقوله : شَهِدَ اللَّهُ عن علمه الحضوري ، وأخبر في كتابه التّكويني بدلالة كلماته التّامة - التي هي صنائعه البديعة ، واتّساق نظامها الأتمّ - على أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولا خالق ولا معبود سواه ، وَ شهدت الْمَلائِكَةُ بلسان الحال والمقال ، وبدلالة الأفعال ، لمعاينتهم عظمته وقدرته ، وَ شهد أُولُوا الْعِلْمِ من عباده ، عن العلم البرهاني والعياني ، بما شهد به سبحانه . روي عن الباقر عليه السّلام : « أنّ أولي العلم هم الأنبياء والأوصياء » « 4 » . ثمّ لمّا كان المعتبر عدالة الشّاهد ، وعدم جوره في الشّهادة ، أثنى سبحانه على نفسه في المقام بكونه قائِماً بِالْقِسْطِ وعاملا بالعدل في جميع الأمور ، من قسمة الأرزاق ، والإثابة ، والتّعذيب . ومن عدله أمر عباده بالعدل والتّسوية ، وعدم رضاه بالظّلم والجور . وفيه بيان كماله تعالى في أفعاله ، إثر بيان كماله في ذاته . وفي الرّواية السّابقة ، عن الباقر عليه السّلام بعد تفسير أُولُوا الْعِلْمِ بالأنبياء والأوصياء ، قال : « وهم قيام

--> ( 1 ) . يوسف : 12 / 98 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 11 . ( 3 ) . في النسخة : التي . ( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 296 / 658 ، تفسير الصافي 1 : 299 .